قبل أفول نجم الاتحاد السوفييتي السابق وانتفاضة أوروبا الشرقية ضد النظام الاشتراكي كان الإعلام في تلك البلدان يخصص مساحة واسعة لعرض الكوارث والنكبات التي تحل بأوروبا الغربية, وكذلك المجاعات والأمراض في أفريقيا، أما الصورة المشرقة والتقدم والرفاهية فلا يأتي على ذكرها مطلقًا حتى يشعر كل مواطن مطحون تحت النظام الاشتراكي بأنه يعيش في جنات عدن.
في آخر خطبة سمعتها، شعرت أن الخطيب حاول تطبيق الحيلة الاشتراكية لتخدير الناس وقتل شعورهم بالعوز والفقر وضيق الحال، فهو يدرك أن الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية سيئة وشدة الفقر تزداد يومًا بعد يوم, ولا بد من المساهمة في تخفيف الضغط، وما كان منه إلا أن أظهر لهم "حقيقة" كانت عليهم خافية, حيث قال لهم: أنتم أغنياء .. أنتم محسودون ويكفي أنكم أصحاء, وإن شئتم أن تروا الخير الذي به تنعمون اذهبوا إلى المشافي وانظروا كيف ابتلى الله غيركم بأمراض ومشاكل صحية لا تعد ولا تحصى. استغربت بل وصدمت من المنطق الذي تحدث به ذلك الخطيب، وودت لو يخطب الجمعة التي تليها في أحد المشافي حتى أسمع منه كيف سيسري عن المرضى ويخفف مصابهم، وربما سيقول لهم: إنهم بخير وأغنياء ثم سينصحهم بالذهاب إلى المقابر لإثبات نظريته.
من وجهة نظري, فإن طريقة معالجة الشيخ لقضية الفقر كانت خاطئة جدًا وفيها بعض الاستهتار بعقول الناس والتلاعب بمشاعرهم، وربما فات الخطيب أن كثيرين ممن يستمعون إليه سيذهبون بعدها لزيارة ذويهم المرضى في المشافي والبيوت _من آباء وأمهات وإخوة وأخوات وغيرهم _ للاطمئنان عليهم وليس تلبية لدعوته الغريبة، وهنا فإننا نسأل: هل سيسعد مؤمن حين يكون صحيحًا وأخوه مريض؟ وكيف يكون ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ؟؟
نختم بالقول: إن الاحتلال الإسرائيلي مسؤول عن الجزء الأكبر من الأزمة الاقتصادية التي يعانيها شعبنا، ولكن هناك جزء تتحمله الحكومة والسلطة الوطنية الفلسطينية ولا يمكن لخطيب جمعة أن يحل مشاكل الناس بخطبه التخديرية، وإذا أرادت الحكومة التخفيف عن الناس فعليها تخفيف الضرائب وكبح شهوة البلديات في رفع أسعار الكهرباء والمياه واستحداث رسوم لم ترد في دستور أو قانون، وكذلك على الحكومة تشجيع الاستثمار وخلق فرص عمل ومحاربة البطالة و محاربة حيتان الفساد، ونذكر خطيبنا المبجل أن غالبية ما يصيب الناس من أمراض وجلطات هي بسبب الفقر والبطالة وبعض الأفكار الغريبة التي يسمعونها أيام الجمع.
