يظن بعض الناس أن اللغة تدل على نفسها بنفسها وهذا أكبر من وهم. وعندما يقول أحدهم هذا الكتاب جيد؛ فيظن أنه وضَّح شيئاً، وهو في الواقع لم يوضح شيئاً وفسّر الماء بعد الجهد بالماء.
وأتذكر أنني يوماً كنت في سيارة صديقي أبو حسن وسألته عن كتاب (عندما تغيّر العالم) تأليف (جاك بيرج) وترجمة ليلى جبالي نشر سلسلة عالم المعرفة؟ قال لي الكتاب رائع. قلت له يا صديقي لم تتقدم بالشرح خطوة؛ فكلمة رائع وممتاز لا تعني شيئاً!
تعجب الرجل وأراد مزيداً من الوضوح؟ قلت له كان بإمكانك إفادتي بجملة أو فكرة، ولو ذكرت لي كيف توصل (ديكارت) إلى الهندسة التحليلية وهو يتتبع طنين ذبابة في مجلس الكاهن (مارسين)، أو لو حدثتني عن كشف (قانون البندول) الذي اهتدى له (غاليلو) وهو يراقب دخول الهواء إلى صالة، أو لو حدثتني عن الفلسفة الوضعية التي قال بها (أرنست ماخ) لأفدتني أكثر من كلمة رائع وممتاز وعظيم!
تغيّر لون وجهه وشعرت أنه استوعب الدرس. كان الرجل يقول لي أنا لم أفهمك لمدة ثلاث سنوات، عندما كنت تحدثني عن ديكارت والغزالي وابن سينا وسبينوزا، ولكنني أدركت الآن أن ما تقوله يدخل في تفصيلات الحياة كلها. إنك والله تكسر أقفال العقول المغلقة. ذكرتني جملته بقول الله تعالى (أم على قلوب أقفالها). ثم افترقنا واجتمعت بالرجل فوجدته قد انقطع وخسر المفتاح ورجع إلى الصندوق المغلق؛ جاء في الإنجيل قول عيسى بن مريم غرور العالم وشهوات المال تخنق الكلمة فلا تنمو.
في الواقع تضرب اللغة وتعطبها ثلاثة عيوب هي: (التعميم) و(الحذف) و(التشويه). ومثلاً عن (التعميم) إننا نقول إن الأسعار ارتفعت، ولكن هل ارتفع سعر كل شيء فعلاً؟
وأما (الحذف) فعندما نقول فلان أجريت له عملية جراحية، ولكن طار من الخبر تفصيلات لانهائية مثل: (من) أجرى العملية و(متى) جرت ثم (ما هي) العملية و(لماذا أجريت) بالأصل؟ وفي أي مشفى؟ وهل انتهت دون عقابيل.
إن هذا يذكرني بالألمان الذين يعشقون التفصيلات؛ فعندما كنت أسأل موظف البنك عن سعر المارك مقابل الدولار كان يعطيني الإجابة بأربعة أرقام بعد الفاصلة. ويأخذ أموره في غاية الجدية. كما لاحظت عليهم الاهتمام بتفاصيل العملة مثل السنت وكل غرض يعالج بسعر تفصيلي لم نعتده نحن، وإنما نقول ربع ونصف، أما هم فهناك تفصيل للسنت (ما يقابل الهللة) وهو موجود فيزيائياً، وأدركت أن هذا هو سر قوة اقتصادهم. وكما يقول المثل الأمريكي انتبه أنت للسنت أما الدولار فيتولى بنفسه. وهو يقصد أن الانتباه في التوفير يأتي من الأشياء الصغيرة.
وفي يوم كنت أخطب الجمعة فلما انتهيت اجتمع لي رهط من الناس يستحسنون كلامي ثم تقدم واحد فقال لقد أبدعت في كلامك. قلت له عما كنت أتحدث؟ قال بالطبع كنت تتحدث عن الإسلام. وهذا يرجعني مرة أخرى إلى مشكلة عيوب اللغة. ذلك قولهم بأفواههم.


