الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 09:14 م

مقالات وآراء

مؤشرات النجاح الفردي

حجم الخط
د.خالص جلبي

يرى عالم النفس الأمريكي (براين تريسي) أن هناك ستة مؤشرات على المستوى الفردي توحي بالنجاح على الشكل التالي:

أولاً: سكينة القلب وراحة البال، ومعناه التحرر من ضغط شعورين مزعجين مؤرقين لا يتركان مجالاً للإنسان بالهناء هما: الخوف، والشعور بالذنب، والرجل له تحليل خاص في مصدر الخوف ونمو شجرة المشاعر السلبية عند الإنسان، وتلعب الطفولة دوراً مهماً في ذلك.

 

ثانياً: تحقيق مستوى عال من الطاقة: أي الفعالية في الحياة، وهذه لا يمكن ممارستها دون فيضٍ من المشاعر الإيجابية، وبدورها تحتاج لكبح المشاعر السلبية، وقطع دابرها بقطع مصادر ترويتها، ولعل آلية الرضا عن النفس في الحد الذهبي بين عدم التعالي، وعدم الشعور بالحقارة، هي التي تقود إلى المواجهة السليمة مع النفس، وباستخدام آلية المراجعة والنقد الذاتي، وتحمل المسؤولية، يمكن تحقيق الصحة النفسية وإفراز الفعالية بشكل آلي؛ طالما رفعت الكوابح من الطريق.

 

ثالثاً: تحقيق علاقات طيبة مع الناس؛ فهي مشعر نضج الشخصية وتقديرها لذاتها ولمن حولها، وهذا قانون مهم لأنه في الوقت الذي تربى النفس على الاعتراف بالآخر وعدم تخوينه وتجريمه وإدانته نكون قد أهدينا هذه المزايا إلى أنفسنا ودعمنا وجودنا بها؛ ذلك أن إنكار الآخر يحمل في تضاعيفه إنكار الذات، وفي اللحظة التي يفكر فيها طرف في إعدام الطرف الآخر، يكون قد باشر بإلغاء نفسه؛ فآلية الإعدام كما نرى ثنائية تقابلية تبادلية.

 

رابعاً: العنصر الاقتصادي: وهو الاكتفاء المالي أو فلسفة المال؛ فالذهب يسيل له لعاب الناس جميعاً، ويظنون أن توفره سيحل كل مشكلات التعاسة والاضطراب النفسي، ولكن كل الدراسات تفيد أن المال لم يكن مصدراً وحيداً من مصادر السعادة، كما أن العكس صحيح؛ فالفقر ليس بالوضع الذي يجلب التعاسة بشكل مطلق، ولم يكن الفقر مصدراً للثورات في يوم من الأيام بل بالأحرى (وعي الفقر)؛ فالوعي هو المحرك العميق للحركات النفسية الاجتماعية، والقانون الأمثل هو الاعتدال، ولم يكن ارتفاع الدخل ليمشي طرداً مع السعادة، بل كانت السعادة بالأحرى (فيض داخلي) بالدرجة الأولى، وفقر الإنسان أو غناه لا يأتي من كمية المال التي يملكها بل من (حاجته لها)، وبمقدار كثافة هذا الشعور وضغطه وإلحاحه يكون فقر الإنسان. الإنسان المحتاج هو الفقير، وليس العكس فليس الفقير هو المحتاج، والغني هو من تحرر من ضغط الحاجة، وعندما مرّ سقراط في السوق صرخ يا إلهي: كم هي الحاجات التي أنا لست بحاجة لها! والحديث اختصر هذه المشكلة بشكلٍ رائع حينما قال (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) والمتأمل للناس وكيف يعيشون ويتنافسون يلهيهم التكاثر حتى زاروا المقابر، وكيف يحلمون بزيادة المال دون حدود، ويتألمون لأن بعض الناس يقبضون رواتب أكثر منهم في نهم لا يعرف الشبع، وعطش لا يعرف الارتواء قط، كما قال الفيلسوف الفرنسي عن جدلية المال إن فاقده متحسر ومالكه قلق، ولا غرابة فحيث يكون المال تكون النفس فلا يستطيع المرء أن يعيش بقلبين ويخدم سيدين بنفس الوقت الله والمال، وهذا لا يعني أن لا يملك الإنسان المال بل يحدد حاجته منه، كما يقول الصوفية نحن لا نملك شيئاً كما لا يملكنا شيء والمشعر في هذا ليس امتلاكه، ولكن تأثر النفس حين فقده، فيمكن معرفة تعلق القلب به عند فقده ومدى الحزن عليه، وفي اللحظة التي لا تضطرب النفس إلا في أقل حيز ممكن بخسارة أكبر قدر منه؛ يكون الفرد فيها قد اقترب من التحرر الفعلي.

خامساً وسادساً: وجود أهداف ذات قيمة عليا في الحياة، وتحقيق الذات من خلالها.