البناء والإعمار والإسكان على أرضنا المباركة فلسطين يرتكز بالأساس على عمال فلسطين البواسل، هؤلاء الرجال الشامخون الذين خاضوا غمار التحديات الصعبة والعقبات الكؤود من احتلال وحصار وفقر واقتصاد منهك وسياسات صهيونية ظالمة وقوانين عنصرية واعتقالات وقتل وتهديد بحقهم؛ ورغم كل ذلك صمدوا في وجه هذه التحديات وأعلنوا أن عمال فلسطين لن يسقطوا راية التحرير والدفاع عن أرض فلسطين بكل ما يملكونه، حيث قدموا التضحيات الجسام؛ جل هذه الظروف الصعبة والتحديات والعقبات وغيرها لم تحبط العامل الفلسطيني وتثبطه عن القيام بمهمته الأساسية في بناء الوطن، وتربية أسرة فلسطينية قوية عمادها حفظة القرآن الكريم، والمدرس والطبيب والمهندس الماهر، والصحفي والصانع والممرض وغيرهم، فهناك الآلاف من الأسر الفلسطينية متميزة بأبنائها وشبابها، فقد عاش رب الأسرة يعمل بكد وتعب وحرمان من أجل تربية أبنائه على العلم والأخلاق والجهاد وحب أرض فلسطين ... هكذا رجال فلسطين ومجاهدوها الأوفياء للحقوق والثوابت الوطنية.
عمال فلسطين معادلة نضالية صعبة ومقاومة كبيرة وملحمة صمود وتستعصي على الجميع وصخرة تتحطم عليها المؤامرات .. ونحن اليوم نبرق لهم أسمى التحايا الثورية والفكرية لجهادهم ونضالهم العمالي في سبيل الله ومن أجل تحرير أرض فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
عند الكتابة عن عمال فلسطين والحديث في تاريخهم الطويل، وسبر أغوار الحركة العمالية الفلسطينية؛ نجد أن تاريخ نضال عمال فلسطين عريق وضارب في الجذور والأعماق منذ أواخر القرن التاسع عشر في عام 1878م عندما قام الصهاينة اليهود ببناء أول مستوطنة يهودية على أرض فلسطين وهي (بتاح تكفا) على أراضي قرية الملبس قرب مدينة يافا، ومنذ أن وطأت أقدام المستوطنين أرض فلسطين وهم قلة قليلة، فقد هب المزارعون الفلسطينيون فورا وخرجوا عن صمتهم ليعلنوا رفضهم لتأسيس المستوطنة اليهودية الصغيرة الأولى، وحارب عمال فلسطين المستوطنين، ورفضوا التعامل معهم، وعملوا جاهدين على عزلتهم لأنهم أدركوا مخططات اليهود الخبيثة لسرقة أرضنا المباركة فلسطين، وقد استمر نضال عمال فلسطين الأبطال ضد هجرات اليهود إلى أرضنا المباركة حتى بدء ما يسمى (الانتداب البريطاني) على أرض فلسطين عام 1917م، حيث بدأ النضال العمالي الفلسطيني يشتد ضد السياسة البريطانية اليهودية في تعاملها مع شعب فلسطين، على رأسها فتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيها، والمساعدة في إقامة المنظمات الصهيونية الإجرامية الصهيونية منها الهاجاناة، والأرغون، كما ساعد البريطانيون اليهود في تأسيس الجامعة العبرية على أرض فلسطين عام (1925م)، وساعدوا اليهود البريطانيين وعلموهم فنون القتال والحرب من أجل قتل الشعب الفلسطيني وسرقة أرضه، أمام هذه المعطيات التاريخية والسياسات الصارمة وغيرها كان عمال فلسطين هم النموذج النضالي يعيشون في كافة تفاصيل هذه السياسات ويرفضون الاحتلال البريطاني لأرض فلسطين، ويتمسكون بالأرض يزرعونها ويفلحونها في كل ساعة ويتواجدون دوما في أراضيهم، معلنين تمسكهم بالثوابت والحقوق الفلسطينية وحفاظهم على العهد.
والتاريخ الفلسطيني يذكر لعمال فلسطين نضالهم الوطني ودورهم الكبير في انطلاق جذوة الانتفاضة الشعبية الأولى في الثامن من ديسمبر لعام 1987م، تلكَ الانتفاضة التي أشعلَ فتيلها استشهاد 4 عمال فلسطينيين في جباليا بعدَ أن تعمدَ سائق شاحنة (إسرائيلية) اعتراض سيارات العمال وقتلهم عمدا، وقد حمل عمال فلسطين هم انتفاضة الحجارة، وكانوا أول الشهداء وأول الجرحى وأول الأسرى ووقفوا جدارا صلبا في مواجهة قوات الاحتلال المدججة بالسلاح التي انتشرت في كل المدن والقرى الفلسطينية، كما وقف عمال فلسطين في وجه الحرب الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، ووقف العمال البواسل كالجبال في وجه المحاكمات العسكرية (الإسرائيلية) الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين الفلسطينيين ورجالات المقاومة؛ كما سأتحدث هنا عن اهتمام العدو الصهيوني في العمال لإدراك العدو مدى تأثير العمال ودورهم في حياة الشعوب والمجتمعات، فإن العدو الصهيوني منذ احتلاله أرض فلسطين أولى اهتماما كبيرا بعماله، فقد سرق الكيان الصهيوني أرض فلسطين الطاهرة من خلال العمال الصهاينة، كما أسس العدو في مدينة حيفا المحتلة بين الرابع والتاسع من كانون الأول/ ديسمبر عام 1920م "الهستدروت" (الاتحاد العام لعمال اليهود في أرض إسرائيل)، وأكدت القرارات والكلمات التي ألقيت في المؤتمر التأسيسي على أن هدف الاتحاد الموحد لجميع العمال والفلاحين الذين يعيشون بعرق جبينهم دون استغلال جهود الآخرين، وأن يسير قدما في عملية استيطان الأرض، وأن يقحموا أنفسهم في كافة المسائل الاقتصادية والثقافية التي تمس العمل في فلسطين؛ فقد عرضت التجربة تعامل العدو مع العمال فقط كمثال على اهتمام العدو بالعمال الصهاينة الذين اعتبرهم ركيزة في احتلال أرض فلسطين، ونحن في هذا المقام نعتبر عمال فلسطين الأشاوس هم الركيزة الأساسية في تحرير أرض فلسطين وتعمير المساكن والمدن والأرض الفلسطينية بعد تحريرها من الاحتلال وخروجه يجر أذيال الهزيمة، وقد كان للعمال الفلسطينيين في غزة دورٌ بارزٌ بعد الانسحاب ( الإسرائيلي ) من القطاع عام 2005م حيث عملوا في المحررات وحوّلوها لحقول زراعية خضراء وغناء، وها هي غزة تُصدّر للغرب وأوروبا الكثير من منتجاتها من الأخشاب والمنتجات الصناعية وحتى الزراعية، كما تُصدّر غزة الورود، وتصدّر الفداء والتضحيات والحريات من أجل تحرير الوطن، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس بإذن الله، والآن يترقب عمال فلسطين البواسل الذين عانوا الويلات ومرارة الحصار، تنفيذ اتفاق المصالحة الفلسطينية، وأن تكون معاناة العمال على رأس الأولويات في برنامج حكومة الوحدة الفلسطينية الوطنية، كما يحدو العمال الأمل أن تتحمل الشركات الوطنية الفلسطينية مسؤوليتها تجاه عمال فلسطين وأن توفر لهم الدعم المتواصل والعمل على التخفيف من معاناتهم وآلامهم .. كل التحية والتقدير والاحترام لعمال فلسطين البواسل المجاهدين.

