الناظر إلى عنوان المقالة لأول وهلة يظن أني من الإرهابيين المتعصبين الذين لا يراعون المصالح العليا، ولا يفقهون دهاليز السياسة التي يتشدق بها صباح مساء كثير ممن لا يريدون أن يروا إلا بعين عوراء واحدة، ولست مبدعاً في اختيار عنوان المقالة فقد قالها قبلي تاج رأسي رئيس الوزراء إسماعيل هنية في لقاء على قناة الحوار حينما أثلج صدري قائلاً: (أخشى أن يأتي اليوم الذي نقول فيه: لا حوار مع القتلة!) وذلك في تعليق على محاولة اغتياله..
وليس بجديد القول أن الحوار بين أبناء الشعب الواحد واجب شرعي ووطني وأخلاقي وأن من يدعو إلى الحوار هو الشريف الوطني الذي يستحق كل احترام وتقدير من شعبه وأمته، لكني اليوم أتحدث عن فئة باعت كل وطني وهرعت وبكل قوة إلى أحضان العدو، وقاتلت شعبها وانقلبت على خياره الوطني، وانحازت بكل ثقلها إلى خيارات أمريكا، فلم ترع رحماً ولا قرابة ولا ديناً ولا عادةً، فهاجمت كل ما يمت للوطن بصلة، ورسخت مبدأ العنترية السياسية بتصرفاتها الوقحة التي فاقت كل رذيل، وأوغلت في القبح والخسة إلى أبعد الحدود..
إن هذه الفئة التي أتحدث عنها تتكلم بلسان عربي وبقلب أمريكي وبفعل صهيوني بل أنكى، فلقد انتهكت حرمات الشعب الأبي المسلم الذي لم ينحني مرة واحدة للغزاة المستعمرين منذ فجر التاريخ، فالرفض المطلق للحوار مع الشعب والهرولة إلى لعق أقدام الصهاينة، وتشجيع الحصار على غزة بكل السبل، ودعوة مصر إلى إغلاق المعبر في عقاب جماعي للشعب في غزة الذي يحتضن المقاومة، والحملات الإعلامية المسعورة المستمرة على مدار الساعة للطعن في المجاهدين وتنقيص أعمالهم وتشويه القادة العظام، ولم يسلم منهم حي ولا ميت ولا شهيد ولا إمام ولا فقيه ولا عالم بل طالت ألسنة السوء كل أهل الخير والفضل والجهاد وتجاوزت كل حد، وتطاولت على كل رفيع..
أما على سبيل الفعل فحدث ولا حرج عن المداهمات اليومية في الضفة والاعتقالات المستمرة في أبناء حماس، ومحاولة تشويه صورتهم وإجبارهم على الخروج بمؤتمرات صحفية بعد أيام من التعذيب في أقبية السجون العباسية، ولقد طالت أيدي هذه الفئة الخائنة العميلة ما لم تستطع أيدي الاحتلال أن تطاله من اعتقال للمجاهدين وتسليمهم للصهاينة دون أي مقابل على الأرض فهو عمل خدماتي من طرف واحد لا يقابله إلا الاجتياحات المتكررة والمفاجئة، والحواجز المتوالدة، والمعاناة المستمرة لأهلنا في ضفة العزة والإباء، ضفة السركجي وأبو هنود و العياش والجمالين، الضفة التي تغلي فيها المراجل اليوم وستنفجر يوماً ما في وجه الصهاينة والعملاء من أحفاد ابن سلول..
لقد خجل العدو الصهيوني من التعرض للنساء الفلسطينيات العفيفات، ولم نسمع أنه تعرض لهن بالضرب في الشوارع إلا قليلاً لأنه يعلم الشرف والغيرة الفلسطينية على الأعراض، لكن أبناء دايتون فعلوها في منتصف الشارع في نابلس، حيث حدثنا من نثق به في مدينة نابلس الصمود والإباء أن امرأة وولدها كانت تمشي بجوار حفنة من أجهزة عباس في المدينة فسأل الولد أمه هل هؤلاء يهود فقالت له: لا! هؤلاء أخس من اليهود! فما كان من أحد حقرائهم إلا أن انهال على المرأة بالضرب العنيف في وسط الشارع أمام المارة!! وهذا الحدث واحد من آلاف الأحداث الدائرة هناك في الضفة حيث لا يسمح للإعلام بالحديث، ويهدد الصحفيون ويعتقلون، بل يعذبون، فلقد سمعنا عن تعذيب عدد من الصحفيين لكتابتهم تقارير الكترونية على الشبكة العنكبوتية تفضح تآمر المتآمرين على القضية والشعب، لكني أطمئنكم بأن من اتصل بنا من نابلس أكد أن الضفة الآن تغلي من تحتها المراجل انتظاراً لحسم قادم، وطرد لهذه الشرذمة الحقيرة التي بات شعبنا بكل فصائله بما فيهم الشرفاء من حركة فتح ينبذونها وينتظرون يوم الفرج على أحر من الجمر..!
وبعد كل هذا آن لحماس أن تطور خطابها تجاه هؤلاء الذي أضحوا يغردون خارج السرب، ولقد فضح عراكهم الداخلي مخططاتهم الجهنمية في القضاء على حماس وركوب اللعبة الديمقراطية مطية للوصول بحماس إلى الهاوية، والقول للشعب أن هذا اختياركم هو ما جلب لكم الكوارث... ولا أريد أن أتطرق إلى الماضي الأسود لهم في غزة بل الشاهد الحي الآن ما يحدث في الضفة على المستوى السياسي والميداني، ففتح التي يُدعى إلى الحوار معها يتحكم في رقبتها عصابة من القتلة المجرمين الذين شوهوا نضالها وأوصلوها إلى نقطة لا يمكن بحال التراجع عنها إلا إذا قمنا بعملية تكرير متكررة للمياه العادمة لاستخلاص ذرة من طهارة، ولست متجنياً بهذا الحديث لأن المجرمين المتصهينين هم الذين يمسكون بناصية حركة فتح الآن، وأما القلة القليلية من الأطهار فلقد أضحوا مرتزقة على موائد كبار المجرمين، ومن يخالف يقطع راتبه بأسرع من البرق، لهذا فكل الحركة من الرأس إلى أخمص القدم محكومة بأمر من باعوا وطنهم وخانوا شعبهم وتآمروا عليه، فأي حوار سيكون ناجحاً وناجعاً مع هؤلاء؟! وأي اتفاق سيكون موضع التنفيذ مع هذه الفئة المجرمة التي تتلقى الأوامر من تل أبيب والبيت الأبيض؟!
إن أكذوبة فصل الضفة عن غزة وضم غزة إلى مصر بفعل الحسم العسكري الذي قامت به حماس في غزة لم تعد تنطلي على أحد، فمتى كانت الضفة وغزة كيان جغرافي متصل؟! وحتى بعد اتفاقات أوسلو لم يزد الوضع بين غزة والضفة إلا تعقيداً، إلا إذا كان المقصود بالكيان الواحد على صعيد من يحملون بطاقات VIP! فلا تضحكوا على عقولنا فالكل يعلم أن هناك فصلاً صهيونياً قديماً بين غزة والضفة لم يتم الوصل بينهما إلى بمعبر آمن وضع خصيصاً لاصطياد المجاهدين ولمرور من ترضى عنهم تل أبيب، وللضحك على عقول أبناء الشعب الفلسطيني آنذاك باتفاقيات هزيلة بانت مساوئها وكوارثها على الشعب الفلسطيني وقضيته اليوم، ولا شك أننا نعتقد أننا في غزة والضفة شعب واحد متصل بشرياً وأن الأرض كحق ثابت هي أرض جغرافية واحدة ليست في غزة والضفة فحسب بل في كل فلسطين التاريخية لكننا نتحدث عن واقع يراد أن تشوّه من خلاله صورة حماس، وأن يقال أنه لا بد من التراجع عن الحسم (ولا أدري كيف؟!) حتى تعود غزة والضفة وحدة واحدة مع مزيد من دخول الشخصيات الرومانسية للسكر والعهر في مراقص حيفا وتل أبيب!!
لقد أصبح الحسم العسكري الشماعة التي يعلقون عليها كل جرائهم السياسية من تجاوز للقوانين وتشريعات جديدة وإقصاء وظيفي وقطع للرواتب وعزل لمن شاؤوا كيف شاؤوا، وجرائمهم الميدانية لا تحصى ولا تعد من مداهمات وقتل وملاحقة بالتعاون مع الصهاينة في وضح النهار، وتقاسم للأدوار!
لقد أصبحت سمعة عصابة المقاطعة في الحضيض بعد كل هذه الجرائم، وأصبحوا يعدُّون من عمال بوش في المنطقة وأغلب المحليين والكتاب والوطنيين في العالم العربي والإسلامي ينظرون إليهم نظرة احتقار وازدراء لأنهم أصبحوا أداة حقيرة في يد أعدائهم، بل صاروا ينفذون ما عجز الاحتلال عن تنفيذه من مخططات، ويمكرون ليل نهار للإيقاع بشرفاء شعبهم الذين يشهد لهم القريب والبعيد بانتمائهم لدينهم ووطنهم، وليست حادثة محاولة اغتيال رئيس الوزراء هنية بأمر من 'أمين عام ديوان التعاسة' ببعيدة، ولهذا إن إعادة الحوار مع هؤلاء القتلة – من وجهة نظر كثير من الناس- هو تلميع لهم، وإظهارهم بمظهر الوطني، وهم في الحقيقة عملاء بكل ما تعني الكلمة من معنى!
على حماس أن تعيد النظر في التعامل مع هذه الفئة المجرمة كجزء من الشعب الفلسطيني، وأن تكف عن الدعوة إلى الحوار معها، وأن تجد سبلاً أخرى في اختراق الحصار، فليس مقبولاً أن أقول عن فلان أنه خائن (وهو كذلك) وأدعو إلى الحوار معه، بل لا بد من القول بأن فلان عميل، ولا سبيل له إلينا، ولا بد من تحريض الشعب على نبذه والتخلص منه، وإظهاره بمظهر بشع وتنفير الناس منه (لأنه كذلك) لأنه شارك في قتل أبناء شعبه حينما صافح عدوه وقبّل، ودم الشعب الفلسطيني ينزف، ولأنه حقر المقاومة ووصفها بأبشع الأوصاف، ولأنه يتآمر صباح مساء على شعبه بمفاوضات عبثية لم تجلب سوى الدمار والقتل لشعبنا الفلسطيني المصابر وأختم بأبيات شعر تقال في الصهاينة كما تقال في أعوانهم:
نادى علي دم الشهيد يقول لي أترى تمد يداً تصافح قاتلي
والقدس أنبتت الدماء زهورها ثأراً وإن تسقى الخيانة تذبل
هذا التراب مضمخ بدمائنا أنبيعه يوماً لجند الباطل
نسأل الله أن يرينا في الظالمين المجرمين المتآمرين عجائب قدرته... اللهم آمين
