الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:08 م

مقالات وآراء

العلم الإحصائي

حجم الخط
د.خالص جلبي

أي علم جديد تطور وتخلص من قبضة الحتمية التي نادت بها الماركسية في يوم من الأيام قبل انهيارها، كما أن العلم الإحصائي لا يعني أنه لا يوجد قانون يحكم الوجود وأن المعرفة مستحيلة، بل يعرفنا بطبيعة الوجود وقوانينه النوعية، ولعل ميكانيكا الكم أسهمت إلى حد كبير في تطوير هذا العلم، من خلال مبدأ (اللايقين) (UNCERTAINTY PRINCIPLE) الذي دشنه الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرج، وكان لهذا المبدأ أثر كبير في تطوير علم الإلكترونيات المعاصر وإنجازاته في تقنيات الفيديو والتليفزيون والفاكس والموبايل وسواها.

 

كما أن علم النفس الاجتماعي يخضع لتعقيد خاص، ولكنه لا يعني أنه ليست هناك قوانين تنظمه، وفي هذا الصدد فإن عناية القرآن في تكوين العقل السنني بلغت ذروتها من خلال سنن النفس والمجتمع؛ فعندما أشار القرآن الكريم إلى مفهوم السننية وشطب العقلية الخوارقية كان ينطلق من قوانين النفس والمجتمع، وليس قوانين الفيزياء والكيمياء والضوء والحرارة والنسبية وميكانيكا الكم، وتعتبر قوانين النفس والمجتمع من أعقد الأبحاث على الإطلاق؛ نظراً للكم الهائل من العناصر المتشابكة، التي نحن بصدد تفكيك بعض آلياتها الخفية؛ لإدراك الآليات الخلفية لصعود كم محدود من الناس واندفاعهم بحماسٍ ونشاط في أي مجتمع، وانزواء البعض وانطوائهم وانكماشهم دون حدود في الطرف المقابل، فهذا كله خاضع لقوانين خفية نحاول الإمساك بطرف خيوطها. فمن كان يتوقع أن تنفجر الأمور في سوريا ويقتل كل يوم مائة أو يزيد بيد الشبيحة والمخابرات؟

 

وهنا نعرف أن هامش الحظ الفردي يقع ضمن الضرورة الاجتماعية؛ فالذي يعيش في ألمانيا سيكون في الأرجح ذو دخل معقول ولكن ليس بالضرورة، فلقد رأيت بعيني شحاذين وفقراء في ألمانيا وكندا، كما سيكون الذي يعيش في فرنسا متعلماً في الأعم ولكن ليس أكيداً؛ فالأمية في أوروبا لم تمح مائة بالمائة، بل هناك نسبة أمية تصل إلى واحد بالمائة فقط، كما أن العكس صحيح؛ فالذي يولد في الصومال مكتوبٌ عليه أن عمره قصير، وعيشه حقير، محفوفٌ بالمخاطر، معرض للموت في كل لحظة، ولكن هذه ليست بالضرورة مائة بالمائة، فقد يوجد فقير في ألمانيا، وغني في الصومال أو اليمن أو أفغانستان، ولكن القانون الإحصائي يقول لنا إن النسبة العظمى والاحتمال الأكبر أن تكون حظوظ الإنسان في الدنيا حسب التوزيع الجغرافي البحت؛ فحظوظ الإنسان في هذا العالم تابعة بالضرورة للمجتمع الذي يعيش فيه الفرد؛ فمن يولد في العراق سيناله حظ من الموت جوعا، ومن عاش في رواندا في تسعينيات القرن الفارط عاش في لبس من الخوف والجوع، ومن ولد في بغداد في القرن العاشر الميلادي كان محظوظاً سعيداً ثرياً، ينام على قصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري، ويبقى الهامش الفردي ضمن الضغط الاجتماعي الساحق الماحق هو الذي يحرك الأفراد ضمن المجتمع وينوع أقدارهم أيضاً؛ فلماذا يصبح البعض أغنياء وآخرون فقراء في نفس المجتمع الواحد؟ ولماذا يتعلم قسم ويجهل آخر؟ لماذا تعيش طائفة بسعادة لا تنضب، وأخرى تمضغ التعاسة والقات دون توقف؟