*حديث الجنود: العنوان بين التعريف والتكريم والتوريط
سيختلف تعاطي القارئ مع العنوان وفهمه، فالقارئ المؤدلج سيجد في كلمة الجندية وارتباطها العضوي بالقيادة معانيَ مختلفة عن قارئ محايد ليس لديه بعد فكري او مدرسة يتبعها، اللفظة وحدها ستعيد لمن عايش او قرأ عن التنظيمات صور الاجتماعات السرية والمنشورات المحظورة والملاحقات الامنية
في زمن اصبحت فيه الجندية محل تساؤل في ولائها وأدوارها يحتاج الكاتب أن يكون حذرا في إطلاق اللفظ، في زمن يتهم الافكار والمبادئ قد يصبح الجندي في اي صف لا يدور في فلك القوة ارهابيا، في زمن الغى التجنيد فلم يعد الشباب يعرفون رائحة أرض الوطن ولا اغبرّت أقدامهم لأجله، قد لا يكون للجندية والجنود اي معنى وقيمة، فهل كرم العنوان الجنود أم ورطهم مزيدا في المستقبل، وأعاد تربص عيون غفلت عنهم أو ترقب، وانتظار عيون اشتاقت الى كلماتهم واثارهم وشعاراتهم أو استغراب المغيبين الذين لا يعرفون عن التاريخ شيئا؟!
اذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه ففي الجندية لا استقالة فكيف استقال جنود اليرموك؟!
*كل ممنوع مرغوب وكل مخفٍ ظاهر
شخصيا ككثير من ابناء جيلي لم نعايش احداث اليرموك ولا عرفنا ابطالها، ولكن الرواية ان فعلت فعلها فيك، فستستفزك لمعرفة اصول وجذور القصة والبحث عن شخوصها واحوالهم وسيرهم فتخرج انت ايضا من حدود القصة ولا يعود التاريخ تاريخا مضى وانقضى!
ان فعلت الرواية فيك فعلها ستبحث عن ورد شاهر وستغضب من العتوم لانه اخفى عنك هويته فلا يحق له ان يورطك في القصة ويأخذ من عمرك ووقتك واعصابك ليبقى الابطال ابطالا على الورق، بينما هم في الحقيقة اشخاص من لحم ودم، لا يحق له ان يساوم على حقك في معرفة القصة وشخوصها من الالف الى الياء بوضوح الشمس دون مراوغة الادب والكاتب.
لقد اراد ورد شاهر قائد الجنود ان يرجعوا الى الحياة في عالم القصة بينما يظلون امواتا او مغيبين في الواقع، وهذا من ضروب المستحيل، فالادب من اشكال الاعلام وكلهم احياء واموات عادوا ليتصدروا الاخبار لجمهور عريض من قراء العتوم.
نجح العتوم فيما نظن انه هدف اليه فلقد عادوا احياء وامواتا وعاد بعضهم ليصبح قدوة للاجيال القادمة، فمعنى أنهم وجدوا مرة يجعلنا نتأمل ان أمثالهم قد يتكررون اذا توافرت الظروف او تكررت الاحداث.
*شي من الحقيقة وشيء من الجمال
شاعرية العتوم تجعلك تتساءل: هل حقا كانوا بهذا الجلال؟ هل هذه افكارهم، هل هذه كلماتهم؟! اين الحقيقة والواقع والسيرة الذاتية والتوثيق التاريخي واين اسلوبية العتوم وعباراته الآسرة؟ هل كان أمينا على الحقيقة التاريخية؟! ام انه جمّل وبهّر واقعا كان جميلا في الاصل فغدا بعمله ولغته اكثر جمالا حتى في ألمه ويأسه؟
أيا كان الجواب فالابطال بقلم العتوم يغدون اكثر بطولة والاشرار يصبحون اكثر شرا والحقيقة بيضاء مشرقة والباطل بوجه أسود قبيح.
*المرأة في الدور التقليدي
نعيمة، المرأة التي سكن عندها قيادات الحركة الطلابية فكانت لهم الام في غياب امهاتهم والحضن في غياب الحنان والأمان في عز الخوف، وبرغم عبارات الحكمة الثورية والحياتية التي اجراها العتوم على لسانها الا ان دور المرأة في الرواية لم يخرج عن الاطار التقليدي في الدعم والاسناد اما عقل الثورة فظل ذكوريا أبويا ومع طوفان العدد الهائل من الجنود الذكور لم يقدم العتوم في دور البطولة الانثوية سوى فتاتين لم يساهما في التنظير ولا في التخطيط وإنما في الدعم اللوجستي وتكثير العدد وحماية الشباب كحائط صد ودرع بشري لخطأ اعتقاد منهم انذاك ان احدا لن يتجرأ على النساء مهما كانت الاسباب!
يقول العتوم على لسان بطل القصة مبينا ان المرأة في ذلك الوقت كان ينظر اليها انها كمالة عدد او تكثير للسواد "اما العنصر النسائي فكان الابرز في ترجيح الكفة، النساء بطبعهن يعملن بجد ودأب اكثر من الرجال".
الاعتراف الصحيح بالقدرة النسائية لم يُترجم بالمشاركة النوعية في صناعة القرارات لا في ربيعهم ولا في ربيعنا! لا في القصة ولا على ارض الواقع!
" أرأيت الى الورود كيف تجمل الروض الشائك؟! أنظرت الى العيون كيف تملأ الارض بالماء؟! هكذا كنا حين جاءنا هذا المدد النسوي العظيم" وحتى هذه التشبيهات لم تخرج عن سياق الجمال المرتبط بالنساء مع ان النضالات تجعل النساء يضعن الحلى والحُلي جانبا ويعانقن كل صعب ومستحيل، الشهيدتان مها قاسم ومروة الشيخ في أحداث اليرموك كانتا بالتأكيد أكثر من مدد عددي وانصافهن والنساء من بعدهن كان يحتاج الى اعطاء ممثلاتهن أدوارا أكثر أهمية!
* العتوم لم يتخذ قرارا ونحن كذلك لا نعرف
تتضارب الاشارات في الرواية ما بين الثناء على العقلانية والحوار مع كل اشكال السلطة بدءا من رئاسة الجامعة في الحرم الجامعي وانتهاء بكل اشكال الامن الخارجيه بينما يعلي الكاتب في مواطن اخرى من قيمة المواجهة والتحرر من الخوف والتردد وضرورة الحسم في اخذ القرارات.
يقول الكاتب على لسان ورد "الازمات التي تكون مع السلطة لا حلول لها الا بالثورة، الثورة لن تنتظر احدا".
ثم يعود ليناقض نفسه "الحجة تقرع بالحجة لا بالطلقة الطائشة وان الاعوجاج في البنيان يقوم باللسان لا بالسيف والسنان".
هل هذا التخبط هو انعكاس لحالة قديمة حديثة لشعوب محدثة على مفاهيم الحرية والحقوق والنضال الشعبي ولم تحدد قرارها بعد؟ هل هو جزء من الازمة وحالة عدم القرار التي نعايشها الان ايضا؟ هل هي حكمة ام خوار وجبن يحاول الظهور بلباس الحكمة وضبط النفس؟! هل حقا السلمية اقوى من الرصاص ام ان الرصاص لا يفل الا بالرصاص؟ هل نتعلم من حديث الجنود مزيدا من الحذر ام مزيدا من الإقدام؟! هل يملك كاتب ان يرفع آمال مريديه دون وجود أرضية للانتصار فيكون دفع بهم الى التهلكة؟!
هل كان قادة طلاب اليرموك حمقى يوم قرروا المواجهة والثبات أم انهم كانوا غرا طيبين يافعين لم يتوقعوا وجود كائنات تحمل كل هذا البطش والحقد الذي فرغته في أجسادهم؟
ويبقى السؤال: لو وجد الجنود مرة أخرى هل سيلاقون ذات المعاملة وذات النتيجة؟ ام ان اليد الحديدية ازادت قوة وهي مستعدة، بعد ربح جولة، ان تكرر فعلها مرات؟ أيا كان الجواب فالتنظير للثورة واخلاقها ما زال يحبو في الادب والادبيات العمومية ونحن لا نستفيد من الدروس السابقة ولا من تراكمية التجربة بل نصر ان نقلع كل الشوك بأيدينا وان نأكل الحصرم مرات ومرات!
* كنا نحتاج بطلا!
"أنت خائن"! ستحس كقارئ ان الكلمات خنجر ينغرس في صدرك لا في صدر ورد شاهر بطل القصة الذي سأل صديقه سراج وهو على وشك مغادرة البلد بعد مجزرة فض اعتصام طلاب اليرموك وانهياره واعترافه في السجن "ماذا يقول في أبو أسيد وأبو عبدالله؟ صمت ولم يتكلم، صرخت في وجهه ماذا يقولان؟ أجابني وهو مطرق: أنت خائن. مسحت دموعي وخرجت الحروف متقطعة: صدقوا".
لن تستطيب النهاية اطلاقا بل قد تغضب من العتوم وكأنه فرضها عليك ولو كانت حقيقة! فأنت بحاجة لبطل وبطولة لينزعك من ضعفك الشخصي ويطمئنك ان الدنيا بخير وان الاخيار ينتصرون في النهاية والاشرار مكانهم مزابل التاريخ، لن تفهم التسلسل وربما تعاود قراءة احداث حين كان ورد الملك غير المتوج وكان يأتمر بأمره كل من يخالفه في المذهب والفكر وحتى الدين، في هذه الفقرات ستشعر بالاطمئنان والتوزان والمثالية فالنهاية الحقيقية والروائية تترك غصة مريرة في حلقك عن بطل كان ثم نزل من عليائه ثم هرب ثم تاه في المنافي واضاع البوصلة وطريق العودة.
ستحاول ان تتعاطف معه وتلتمس له الاعذار وتقول هو انسان والبشر يضعفون عند الضغط ولكن شيئا ما بداخلك يريد ان يحاكمه، يريد ان يسأله، يريد ان يفهم: لماذا تنتهي البطولة وهل يستسلم الابطال؟! ألم تفكر فينا في حملة الراية بعدك؟ أم انك احرقت سفنك وهدمت مبانيك وسويت الحلم بالارض ولم تعد تبالي؟! كيف اختلفت بالنهاية عن الاساتذة المنظرين البرجوازيين الذين دعسوا عليكم وكانوا سببا في الدماء التي سفكت بغير جريرة؟
كذب من قال ان زمننا لا يعترف بالبطولة فنحن ما زلنا مفطورين على حبها والبحث عنها والبحث عن قائد مُلهم نسير خلفه، في زمن الضعف يزداد التعلق بالابطال والبحث عنهم حتى لا يقتلنا اليأس من ظلمة الواقع!
*ورد شاهر
لم يكن يحق للعتوم ان يخفيك عنا، وقد عرفناك، ولم يكن لك الحق ان تطالب بالخفاء فأنت ربما تكون من صناع الحدث ولكن الحدث ملكنا ايضا وهناك كلمات لم تكتب فيه بعد وهناك ورثة يطالبون بحق المعرفة والدرس، وهناك مقعد محجوز باسمك دشن بالدماء التي لا تُنسى ولا تهدأ ينتظر يوم رجعة الى بلد له مستقبل كمستقبل اليرموك الاولى شاء من شاء وابى من ابى فهذه نبوءة ووعد لا يخضع للتأويلات.
ورد شاهر: اذا سمحت لهم ان يقتلوا اليرموك فيك فلا تسمح لهم ان يقتلوها في الاجيال القادمة، لقد سلمتك نعيمة الراية والارث لانها رأت فيك طموحا
فعد وسلم الراية لأجل اليرموك ولأجل نعيمة.
