الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:40 م

مقالات وآراء

الكفاح القانوني

حجم الخط
د.يوسف رزقة

قد يبدو الكفاح القانوني ذا قيمة كبيرة في إطار المقاربات المجردة، بينما تضعف هذه القيمة في المقاربات الواقعية عامة، وتكاد تنعدم القيمة القانونية للأسف في الحالة الفلسطينية في الصراع مع المحتل الغاصب. قد يكون القانون الدولي سلطة رابعة بين السلطات كما يصف أهل القانون، ومنظمات حقوق الإنسان، ولكن هذه السلطة تبدو هزيلة أمام سلطة القوة وسطوة الاحتلال, بحيث يبدو سؤال الجدوى من الكفاح القانوني في مكانه بشكل عام حين يكون الخصم المنتهك للقانون هو الأقوى, ويبدو سؤال الجدوى أكثر مشروعية حين نسأل عن العائد من انضمام السلطة إلى (15) اتفاقية دولية.

 

هل يمكن لهذا الانضمام إصلاح ما أفسده اتفاق أوسلو الذي فشل (في تحقيق المركز القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967)، وتركها بلا مركز يحدد صراحة أنها أرض محتلة. واكتفى بعبارة باهتة تقول: غزة والضفة وحدة جغرافية واحدة.

 

حين يفشل الكفاح القانوني في إصلاح مفاسد أوسلو، فمن البداهة أن يكون أشد فشلاً في إنشاء واقع أفضل من أوسلو بعد أن أحكمت (إسرائيل) القيد القانوني على السلطة. في أوسلو اجتمعت لـ(إسرائيل) سلطة القوة وسلطة القانون، بينما لم يكن مع عباس لا سلطة القوة ولا الخبرة القانونية، ومن ثمة اكتشفت السلطة لاحقًا أنها مقيدة، بقيود مفاتيحها مع (إسرائيل) لا مع القانون المجرد، الذي تعمل بموجبه الاتفاقيات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان.

 

سؤال الجدوى يستفز أحيانًا رجال القانون، ورجال مؤسسات حقوق الإنسان، لأنهم يعملون ابتداء في إطار الكفاح القانوني، وهم محقون في مشاعرهم، وأنا أحترم دورهم، ولكن سؤال الجدوى الذي أطرحه عليهم هو سؤال خاص في الحالة الفلسطينية، وهو سؤال يرتبط بالعائد الواقعي على الأرض، لا بالمجرد، بعد أن صنفت هذه المؤسسات (إسرائيل) كدولة فوق القانون، وهو توصيف صحيح .

 

سؤال الجدوى لا يستهدف إلغاء الكفاح القانوني أو التقليل من أهميته، بل يستهدف وضعه في المكان المناسب بين المجرد والواقع، وبين العام والخاص، لا أكثر. إن قادة مؤسسات حقوق الإنسان يبذلون جهودًا محترمة وقوية لاستصدار قرارات دولية تدين الاحتلال، وحين ينجحون في الحصول على القرار يفرحون بثمرة جهدهم، ولكنهم ينضمون لاحقًا إلى بقية المشتكين لعدم تطبيق القرار في الميدان.

 

الكفاح القانوني جيد، وهو ميدان (الحركة للمستضعفين)، ولأن السلطة الفلسطينية من هذه الفئة، رحبنا بالانضمام إلى) 15 (اتفاقية، ولكن نرفض المبالغة، ورفع سقف الأهمية لهذه الخطوة المتواضعة، ونذكر المبالغين أن القوانين الدولية جاءت من الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، لتحافظ على مخرجات هذه الحرب بالقانون، هذا من ناحية ، ونذكرهم من ناحية أخرى أن الفلسطينيين حصلوا على قرار قانوني من محكمة العدل الدولية ضد جدار الفصل، وهو قرار في غاية الأهمية، ولكنه لم يلامس الواقع، وبقي على الرف، وتمدد الجدار بحسب ما تريد دولة الاحتلال, والأمثلة في هذا الباب عديدة وقديمة حديثة.

 

القانون, والكفاح القانوني مهمان، ولكن سلطانهما محكوم بالواقع، وبعامل القوة، وهو في الوقت نفسة ليس بمعزل عن النقاش السياسي، ولا الرؤية السياسية في عمل الحكومات والدول. نعم يمكن أن تعزل مؤسسات حقوق الإنسان الكفاح القانوني عن السياسة، وكذا يمكن أن يفعل رجال القانون، ولكن الدول والحكومات لا تستطيع هذا العزل، لأن الدولة والحكومة قرار، ومؤسسة حقوق الإنسان تقرير، وتوصية لا أكثر.