الخميس 29 يناير 2026 الساعة 10:34 ص

مقالات وآراء

«واد حبيب وبيه»

حجم الخط
د.ديمة طهبوب

لا يخفى على أحد التردي الكبير الذي وصل له مستوى التعليم العالي في الأردن؛ فثقافة الغش مشفوعة بضعف البحث العلمي وضعف نوعية الخريجين في تخصصاتهم أوصلتنا الى آخر القافلة، واستحدثنا نوعا جديدا من الأمية المعرفية فترى الطالب يحمل شهادة ورقية لا يعرف كيف حصلها سوى بالفهلوة والاحتيال، ولا يعرف البديهيات في تخصصه ولا يملك من الثقافة شيئا!! بل وقد زادت مجتمعاتنا وحكوماتنا الطين بلة فهونت من أهمية العلم والشهادات تماما ولم يعد التعليم كما كان سابقا قشة النجاة والسبيل الى حياة ومستقبل أفضل! فقد تملك اعلى الشهادات وتقف أمام مجلس النواب في احتجاج رمزي لتبيع ابنائك لانك لا تستطيع اطعامهم!! بينما يستطيع الاول من الاخير ان يحرز اعلى الدرجات والمناصب بالنسب اوالواسطة اوالاحتيال! وأصبح المجتمع يبرر حالة الفشل الذي وصل اليه بضرب امثلة تشذ عن القاعدة، فمثلا بيل غيتس لم يدخل الجامعة وستيف جوبز فشل في اول حياته، ويأخذون من امثال هؤلاء قدوة في هذه الجزئية فقط، متجاهلين بقية سيرتهم التي عوضت الفشل والنقائص بحياة وكد للنجاح.

الثروة السريعة والشهرة السريعة بأقل الجهد أصبحت حلم الشباب، وفي الوقت الذي تراجعت فيه أهمية التعليم زاد التركيز على ما يسمى بالمواهب والحظ، فأصبحنا لا نلحق على برامج صناعة النجوم واكتشاف المواهب بينما كان من يعرفون بالفنانين يعدون على الاصابع سابقا والان اصبح اغلب الشعب يرى نفسه صاحب موهبة قد تحجز له تذكرة على قطار النجاح السريع، بل ان الامر وصل الى التوهم؛ وما بعض عروض الاداء البائسة الهزيلة المضحكة حد البكاء، والسخيفة حد السفه؛ الا دلالة على الغسيل الدماغي الذي ساهم الاعلام في صناعته وترسيخه في عقول الشباب.

 

قد يقول قائل ان هذه البرامج ترجمة لبرامج غربية وهذا صحيح ولكن مع هذه البرامج في الغرب هناك جامعات بحثية وتفوق اكاديمي وبراءات اختراع وتصنيع وقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية، ونحن حتى في الفن لم نفلح كما يجب فالفن يجب ان تنهض رسالته بالنفس البشرية وتبرز جمالها ومكامن فضائلها ولكن في نسختنا الفنية خرجت لنا «فنانة» تقول: الناس تحبني لقلة أدبي وهذه لديها قناة اعلامية ايضا!! الفن شيء جميل والموهبة عطية ربانية ولكن لها اخلاق ورسالة ايضا.

 

انتشرت منذ سنوات مع احد الافلام اغنية اشتهرت بشكل كبير مع ان الناس لم تعرف معناها بعنوان «كمننا» وللان ما زلت لم اعرف معناها وما هي الا وصف غريب لحالة التيه والغرابة والسطل الذي نعيشه اذ تقول بعض كلماتها» انا نفسي القى نفسي واد حبيب وبيه ومعاي فلوس كتير تلاتين تلاف جنيه اشرب ازوزة في العجوزة مع استكوزة واجبلي دش مع الموبايل والحتة الكوبية»

انظروا الى الكلمات ستجدون احلام معظم الشباب لا تخرج عنها!!

 

خرج خالي الاستاذ الجامعي الذي حرم نفسه من كثير من المتع من اجل اكمال دراسته من حفلة دعي لها يرعد ويزبد بعد ان عرف ان المغني المطمور الذي لا يعرفه احد اخذ ثلاثة الاف دينار على ساعتين وستة أغاني وظل لمدة اسبوع في حالة نفسية يرثى لها ولحال الاكاديميين والمتعلمين حتى فكر ان يفتح دكانة احسن له من التعليم! ولا يلام على ذلك!

 

أحد معارفنا كان من الاوائل على المملكة وكوالده الطبيب دخل كلية الطب! في منتصف السنة الاولى جاء لوالده قائلا سأغير التخصص قال له والده ماذا تريد ان تدرس اجاب :اي شيء يجعلني غنيا بأقل جهد وأقصر وقت!

قال له والده ساخرا: اشتغل رقاصة!!

 

الاجابة ليست ساخرة بقدر ما هي واقعية ونراها الآن في تهافت الشباب على ما يسمى بالفن!

لسنا ضد الفن على ان يكون فنا راقيا، لسنا ضد الفن على ان يتزامن مع نهضة شاملة في مناحي الحياة الاخرى لترقى بالانسان من كل الجوانب.

 

اما ان يزيد الفنانون ويقل العلماء والمخترعون فهذه وصفة الخراب التي نطبقها حتى الان!!!

 

واذا انتظرنا الحكومات فهي قاعدة لا نية لديها لإصلاح الوضع لأنها تخاف العلم والعلماء؛ فالعلم تحرير من العبودية بكافة أشكالها وأولها التسلط والاستبداد، ولو تعلم الناس حقا فلن يبقى كرسي على حاله؛ لذا فهي مستفيدة من حالة الجهالة والغث التعليمي الذي تعيشه الشعوب!