هل أصبح السوريون حقا بلا أصدقاء؟ هذا السؤال الذي يردده بعض المثقفين السوريين موجع ومخزٍ في ذات الوقت. موجع لأنه ما كان له ان يطرح بالأساس، لأن ما بيننا -نحن المصريين والعرب- وبين السوريين يفترض انه أكبر وأعمق وأقوى من ان يوصف بأنه مجرد «صداقة». حتى إنني لا أبالغ إذا قلت انهم في وجدان جيلنا على الأقل ــ وفي الوصف الدقيق ــ «نحن» في مكان آخر، ذلك فضلا عن ان منتديات «الأصدقاء» في الخطاب السياسي المعاصر صارت تضم خليطا من المحسنين والانتهازيين والسياسيين المحترفين.
من ناحية أخرى، فإنني اعتبر السؤال مخزيا لأن الإجابة عنه ليست واضحة أو حاضرة، وانما تتعدد فيها الاجتهادات تبعا لتعدد القراءات. لذلك أزعم بأن السؤال يحتاج إلى تفكيك، بقدر ما ان البيئة العربية الراهنة تحتاج بدورها إلى تحديد وتدقيق. أقله لكي نعرف طبيعة أجواء المرحلة، وملابساتها المعقدة.
قبل أي كلام أذكِّر بأننا نتحدث عن انتفاضة الشعب السوري التي تدخل الآن عامها الرابع، بعدما تفجرت داعية إلى إسقاط النظام القمعي القابض على السلطة منذ نحو نصف قرن (حزب البعث تولى السلطة في عام 1963). ورغم ان مقاومة النظام لم تتوقف وتعددت أشكالها طوال تلك الفترة، إلا أن ثورة الشعب الكبرى بدأت في شهر فبراير من العام 2011، وتطايرت شراراتها على الفور في أنحاء البلاد، في تزامن تجاوب مع أصداء الربيع العربي التي تجلت في تونس ومصر واليمن في ذلك الوقت.
هي ثورة كبرى بامتياز، حتى وان لم تؤت ثمارها حتى الآن. إلا أن بسالة الشعب السوري وصموده المدهش، واستعداده الخرافي للتضحية مما ينبغي أن يحسب له. حتى أزعم ان كل الوطنيين في سوريا صاروا شهداء، بعضهم رحل عن الدنيا (التقديرات تتحدث عن نحو 200 ألف شهيد) والبعض الآخر لا يزالون على قيد الحياة، شهداء يمشون على الأرض ويستقبلون الموت بصدور عارية وشجاعة مذهلة. أكثر من ثلاثة ملايين شردوا خارج البلاد، وأعداد مماثلة لهم تم تهجيرهم وتشريدهم داخل البلاد. وهؤلاء لم يرحمهم النظام الوحشي الذي ما برح يطاردهم بالكيماوي السام والبراميل المتفجرة. ناهيك عن إذلال قطاعات عريضة منهم بالحصار والتجويع وقطع التيار الكهربائي وضرب شبكات المياه، واخضاعهم لكل ما يمكن ان يجعل حياتهم جحيما. وليس بعيدا عن أذهاننا ما حدث لمخيم اليرموك في دمشق الذي استمر حصاره طيلة سبعين يوما، حتى مات 48 شخصا منهم من شدة الجوع. واضطر الآخرون إلى أكل العشب وأكل لحوم القطط والكلاب لكي يستمروا على قيد الحياة.
لم يكن في كل ذلك سر! ذلك ان مشاهد التنكيل التي حولت قلب العروبة النابض إلى قلبها المغدور والنازف، تمت كلها تحت سمع وبصر العالم أجمع، وفي المقدمة منه «الاشقاء» العرب، الذين حاولت أن تحتمي بهم ارتال اللاجئين (في لبنان وحدها مليون لاجئ سوري). بحيث إن أحدا لا يستطيع أن يدعي أنه لم يسمع ببشاعات النظام وجرائمه ولا بآهات المحزونين والثكالى ولا بأصوات الغاضبين الذين خرجوا يستغيثون ويهتفون: ما إلنا غيرك يا الله.
في تحليل ما جرى سنجد انه لا مفر من الاعتراف بأن الثورة السورية انطلقت في ظروف غير مواتية إقيلميا ودوليا أسهمت في إطالتها وفي رفع كلفتها، ذلك أن انطلاقها في سياق الربيع العربي لم يسمح للشعوب العربية ان تركز في أحداثها، لأن كل قطر ظل مشغولا بحاله ومستقبله. بمعنى أنها برزت في مناخ شاع فيه الانكفاء على الذات والانصراف عن الأمة. ثم انها انطلقت في بيئة عربية سلبية إلى حد كبير. إذ فضلا عن انهيار النظام العربي وعجز مؤسساته فإن القوى المحافظة الفاعلة في العالم العربي كان ولا يزال لها موقفها المناهض والرافض للربيع العربى على جملته. من ناحية ثالثة فإنه في حين لم تجد الثورة ظهيرا عربيا أو دوليا يساندها فإن النظام البعثي أحيط بدعم قوى من إيران ومعها حزب الله ومن روسيا التي دافعت بشراسة عن ذلك النظام في المحافل الدولية. من ناحية رابعة فإن ظهور الجماعات المتطرفة ذات الأهداف الغامضة والمنفِّرة في صف مقاومة النظام أساء إلى الثورة، لأنه اعطى انطباعا بأنه إذا كان النظام البعثي سيئا فالبدائل المتاحة اسوأ منه وأضل سبيلا. وتلك نقطة استثمرها نظام دمشق في إقناع الجميع بأن سقوطه سيعرض المنطقة المحيطة لمخاطر عدة، يمكن ان تحدث انقلابا في خرائطها يهدد الاستقرار والسلم فيها. وهو ما أفزع الدوائر الغربية التي تشغلها مسألة أمن إسرائيل ويؤرقها أي تحول من شأنه المساس بمصالحها. وإذا أضفنا إلى كل ما سبق أزمة الضعف والهشاشة التي يعاني منها المجتمع المدني والقوى السياسية في العالم العربي، فإن ذلك يسلط الضوء على بعد آخر للمشهد، ينبهنا إلى انه في حين كانت الأنظمة العربية عاجزة عن ان تقدم شيئا لثورة الشعب السوري، فإن المجتمعات العربية عانت من العجز ذاته. وإذ تزامن ذلك مع حالة التردد والتوجس التي قيدت حركة الجهود الدولية، فإن النتيجة التي صرنا إليها لا تبدو غريبة أو مفاجئة.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعني ان التقصير في مساندة الثورة السورية هو جزء من أزمة الواقع العربي المضطرب والمنكفئ ونظامه الذي انهار وصار بلا فاعلية. وهو لا يعني بالضرورة ان السوريين ماعادوا بلا أصدقاء، لكنه يعني أن لهم أصدقاء عاجزين وقليلي الحيلة، وأكثرهم يعانون من الشعور بالذنب لانهم لا يستطيعون ان يعبروا عن تضامنهم مع الشعب السوري على النحو الذي يتمنونه. وإذا قال قائل إن هناك الكثير الذي يمكن يقدم للسوريين في البلدان التي لجأوا إليها، فإنني أتفق معه تماما زاعما ان التقصير في هذا الباب لا عذر فيه لأحد، ومشددا على ان بعض الحكومات العربية لم تخيب أمل السوريين فحسب، وإنما أحرجت شعوبها وأشعرتهم بالخزي والخجل. وهو ما لا يجدي معه الاعتذار أو الشعور بالذنب.

