الخميس 29 يناير 2026 الساعة 10:10 ص

مقالات وآراء

فهمي هويدي

محلل سياسي وكاتب مصري
عدد مقالات الكاتب [1149 ]

صافرات الحزن اليومي

حجم الخط
فهمي هويدي

فقدت الصباحات براءتها في مصر منذ تحولت إلى موعد لإطلاق صافرات الحزن اليومي، على الأقل فذلك حظ الذين يبدؤون نهارهم بطقوس من بينها متابعة أخبار ما جرى ويجري، إذ قـُل لي بربك كيف يمكن للمرء أن يحتفظ بتوازنه وان يقضي يومه مرتاح الضمير إذا استفتح صباحه بقراءة القصة التالية: محمد وجيه أمين محافظة الجيزة لحزب مصر القوية، تم اختطافه من مقر عمله من جانب عناصر أمن الدولة يوم 3 مارس. ولم يظهر له أثر إلا يوم 12 مارس، مصابا بما يلي: كسور بستة أضلع 3 و4 و5 من جانب و4 و5 و7 من الجانب الآخر ــ كسر في اليد تحتاج إلى جراحة وتركيب شرائح ــ قطوع متعددة غائرة حتى العظم في الساعدين والكفين ظاهرة التلوث وتحتاج إلى تفتيح وتنظيف، مع كدمات وسحجات في مختلف أنحاء الجسم. ولم يسمح بعرضه على الطبيب إلا بعد شهر من اختطافه(يوم 2 أبريل). وحين طلب الأخير استبقاءه للعلاج فإن طلبه رفض لأن القرار الصادر نص على العرض فقط.

 

 إذا قلبت صفحات سجل الأحزان ققد تعتبر محمد وجيه أفضل حالا من غيره. لأنني وقعت على قصة أخرى في ذلك الصباح ضحيتها شاب اسمه عمر جمال الشويخ عمره 19 سنة، بالسنة الأولى في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، تم اعتقاله يوم 24 مارس الماضي، وقد عرضت بوابة يناير حالته على النحو التالى: ظل يصعق بالكهرباء طول الوقت، لكي يجيب على اسئلة المحققين الذين أرادوا أن يعرفوا منه من يشارك من زملائه في مظاهرات الأزهر، ومن ينظمها ومن يمولها، وحين كانوا يتلقون منه إجابات لا تعجبهم فإن التعذيب كان يشتد عليه، في هذا السياق تمت كهربته تحت إبطيه وبطنه وأطراف أصابعه وصولا إلى الجزء الأسفل من جسمه حيث صعق في خصيتيه. ذلك غير ضربه بالعصى في مختلف أجزاء جسمه. ليس ذلك فحسب وانما تعرض الشاب أيضا للتحرش الجنسي به عدة مرات في قسم شرطة مدينة نصر. وقد ذكر لأمه أثناء زيارته اسم الضابط الذي أشرف على تعذيبه. وقال إنه بعد حلقات التعذيب التي تعرض لها أجبر على أن يدلي بأقوال طلبت منه وتم تسجيل تلك الأقوال على شريط فيديو. ولم يستطع ان يقاوم رغبة محققيه لأن ذلك يعني تعريضه لجولات أخرى من التعذيب الذي لم يعد قادرا على احتماله. أشار تقرير بوابة يناير أيضا إلى ان الشاب لم يعد قادرا على الكلام أو الوقوف على قدميه، وبات بحاجة إلى مساعدة من اقرانه لكي يتمكن من المشي.

 

 لا استطيع أن أروي مزيدا من القصص، ليس فقط بسبب محدودية الحيز المتاح، ولكن أيضا لأن شحنة الحزن والاكتئاب التي أصابتني عند القراءة، لا أحب أن أضاعفها باستعادة رواية ما وقعت عليه، لكنني أسجل فقط أن القصتين لا تشكلان حالات استثنائية، ولكنها من نماذج ما تلقيه في وجوهنا صافرات الحزن اليومي، كي تذكرنا بما يتعرض له شباب الثورة الذين تم اعتقالهم في أعقاب صدور قانون التظاهر وأثناء مسيرات إحياء الذكرى الثالثة لانطلاق ثورة يناير(حسب تقديرات موقع ويكي ثورة المستقل فإن قتلى تلك التظاهرات وصل عددهم إلى 265 ضحية ــ والمصابون 1385 ــ والمعتقلون 5074 شخصا). وقد سبقتني الأستاذة أهداف سويف، الروائية المعروفة، في رفع الصوت والتنبيه إلى العديد من حالات التعذيب والقمع التي تعرض لها الشبان والفتيات والأطفال، خصوصا في مقالتيها اللتين نشرتهما لها جريدة «الشروق» في 3 و10 أبريل الحالي، وما أوردته هو قليل من كثير رصدته ووثقته المراكز الحقوقية المستقلة، ونشطاء الحرية للجدعان و6 أبريل وأولتراس ثورجي وجبهة طريق الثورة وغيرهم من الشرفاء الذين اختاروا أن يغردوا خارج السرب (القطيع؟!) وأن يقفوا في صف الدفاع عن حق المصريين في الحرية والكرامة.

 

 ولئن كانت التقارير والأضواء كلها قد سلطت على المتظاهرين والنشطاء الذين تم اعتقالهم أو الذين قتلوا في شهر يناير الماضي، فإن ما تعرض له الأخيرون مر به من سبقوهم ممن جرى اعتقالهم أو فض اعتصامهم في ظل الوضع الذي استجد منذ الثالث من يوليو عام 2013، وهؤلاء أعدادهم بالألوف. وقد فصل في أعداهم وأوضاعهم الحقوقيون المستقلون، خصوصا موقع ويكي ثورة.

 وإذ يسجل لأولئك النشطاء الشرفاء موقفهم ودورهم، إلا اننا لا ينبغي أن ننسى انه لولا مواقع التواصل الاجتماعي. التي تناقلت المعلومات والشهادات، ولما أتيح لنا أن نرى الوجه الآخر للحقيقة التي يتم التعتيم عليها من جانب المؤسسة الأمنية والإعلام الموجه الذي يمارس دوره في طمس الحقيقة والتستر على الجرائم والانتهاكات التي ترتكب.

 

 إنني أفهم أن تحال للتحقيق الوقائع المروعة التي يتحدث عنها الحقوقيون والشهادات التي تصدر عن المعتقلين أو ذويهم للتثبت من مدى صحتها، ومحاسبة المسؤولين عنها في هذه الحالة، ولكن تجاهلها من ناحية أو نفيها من جانب الأبواق الإعلامية من ناحية ثانية، لم يعد كافيا ولا مقبولا. علما بأن تلك الممارسات تختزن ولا تنسى. وعند لحظة معينة قد تضيق الصدور بثقل الأحزان وينتهي الأمر بأن يصبح الانفجار هو الحل. وتلك ملاحظة أسجلها بسرعة ممهدا الطريق أمام ملاحظات أخرى يثيرها المشهد، أواصل الحديث فيها غدًا بإذن الله.