لم يسلم الأردن، قديما أوحديثا، في كتب التاريخ أو التحليلات الحالية من الاتهامات المغرضة بأنه كيان مصطنع ومنطقة عازلة ومستوعب ومستودع لكل أزمات المنطقة! وهذه الاتهامات تجمع الجهالة بالدين والتاريخ والجغرافيا والتكوين الاجتماعي والديمغرافي لسكان البلد!
ففي عقيدتنا وتاريخنا الاسلامي كان لهذا البلد محطات جعلت منه المنطلق نحو النصر والفتوحات وكان دائما السياج الذي يحمي في كنفه المقدسات، ولقد تشرفت المنطقة بمرور رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما انفك يوجه أنظار أمته نحو هذه البقعة، ففيها سيكون مستقبل الاسلام الزاهر وآخر خلافات الهدى وسار من بعده الخلفاء والصحابة على ذات الأثر، فكانت المعارك الحاسمة من هنا من الأردن من اليرموك، واستمر صلاح الدين على سنة سابقيه فكان يزنر الأردن بالقلاع الحصينة كقلعة عجلون لتبقى العين الساهرة على رعاية وحماية بيت المقدس.
من الأردن كان العبور الى الفتوحات فكان لا بد أن تقدس الأرض بدماء ورفات الصحابة حتى لتكاد تنافس مكة والمدينة، وكان لا بد أن يكون جزء منها من بيت المقدس والجزء الاخر من الكنف لتحفه البركة من الانحاء كلها: بركة في الإنسان وبركة في الأرض، وتصله كذلك بركة الشام، فالشام خيرة الله من أرضه يجتبي اليها خيرته من عباده، وما نقص في الأرض، كما قال المفسرون، زيد في الشام وما نقص في الشام زيد في فلسطين، بل جاء في التفسير أن هذه الأرض هي المنجى وموطن البركة للعالمين أجمعين كما جاء في قوله تعالى "ونجيناه ولوطا الى الأرض التي باركنا فيها للعالمين".
بهذا المنطق يجب أن يتعامل أبناء الأردن وكرامه مع الأحداث التي تعصف بالأمة من كل الجهات حتى كادت تتهاوى من كثرة الضربات، فقد غدا الأردن البيت الآمن الذي يأوي إليه كل مستضعف وطريد ومظلوم، والشعب الأردني الأصيل يجب أن يقابل هذا بمنطق الشكر والفخر أن جعل الله حاجات عباده اليهم فهذا اصطفاء السادة والمتفضلين، فرزق الله وكفالته مضمونة لعباده، ولكن التفاضل فيمن يختارهم الله ليكونوا وسيلة وجسرا وعونا ونصرا لكل صاحب حاجة.
بمنطق الخيرية والزيادة والبركة اللامحدودة يجب أن نقابل حاجات اخواننا، بعطاء يحاول أن يسد ما استطاع من الخروق دون خوف من غد، بعطاء من لا يخشى الفقر، فالعطاء البشري يستحث العطاء الرباني مع الزيادة، والإمساك يستحث التضييق ومحق البركة.
لقد كرم الله هذه البلاد وجعل لها موعدا مستقبليا مع كرامة وعزة منتظرة، هذا موعد يقيني لا يغيره تخاذل الحكومات ولا تفريطها ولا أخلاق بعض السوقة والحريصين على الدنيا، هذا قدر إلهي سيحمله بعض أهل الكرامة لينفذوا إرادة الله على أرضه وفي عباده، من شرق النهر ستأتي البشائر ويكون التغيير ورواده لن يكونوا المتقاعسين ولا المتقلقلين ولا المشكيكين، بل طلائعه هم الذين يأخذون الأمر بعزيمة لا خور ولا تراجع ولا ضعف فيها، إن أرض الأردن المباركة لا تضيق فهذه كرامة الله لها، فهل تضيق أخلاق رجاله؟
ويبقى السؤال: أين نحن من صناعة مجد الوطن وتخزيق عيون كل من يتهمونه؟! أم أننا من الذين يكتفون بالعيش على خيراته دون رد الجميل؟ أيحملنا الوطن فوق همومه أم نحمل بعض همه وهم أهله ونحاول أن نوصلهم الى بر الأمان؟! هل يرى فينا الناس أخلاق الأردن وأصالته التي شوهتها الأنظمة والحكومات وجعلتنا نبدو كالمنتفعين من المصائب الذين نتاجر بعذابات الآخرين؟! هل نقدم الصورة الأخرى والوجه الأفضل؟!
هل نستشعر عظم وجودنا على هذه الأرض ونعرف الهدف من وجودنا أم نكون مجرد رقم عاش ومات في التيه دون أن يحرك ساكنا؟!
هنا خيرة الأرض وخيرة العباد وأنت فقط من يحدد أن كنت ستنتفع من الهبة والمنزلة وتكون أهلا لهذه العطية الربانية.


