لا تعرف في تاريخ البشرية الطويل ظاهرة أهدرت كرامة الإنسان مثل ظاهرة الاسترقاق, إذ يتخذ الناس بعضهم بعضًا عبيدًا يباعون ويشترون مثل البهائم, وتصادر حريتهم وإرادتهم, ولا يعود الناس سواسيةً كأسنان المشط, بل هناك السادة الذين يفعلون ما يشاؤون وهناك العبيد الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا.
و رغم بشاعة العبودية، ومع أن "القرآن الكريم" جاء برسالة العدل والرحمة للعالمين إلا أنه لم يتضمن في ثناياه تحريمًا واضحًا للاسترقاق, على غرار الآيات البينات التي حرم فيها الظلم والبغي والإثم والفواحش والكذب.. صحيح أن القرآن الكريم لم يشجع مطلقًا على الاسترقاق وليس فيه ما يشير إلى ذلك، بل إنه فتح أبوابًا كثيرةً للتضييق على هذه الظاهرة ومحاصرتها, فوجه كفارات كثيرة من الذنوب في اتجاه إيجابي بأن يعتق المذنب: "وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ"، واللفتة الجميلة في هذه الآية أن التكفير عن قتل إنسان خطأً يكون بتحرير إنسان آخر, مما يعني أن الحرية في مقام الحياة، فكما أنك سلبت إنسانًا حياته بالخطأ فإن كفارة ذلك أن تعيد لإنسان آخر حياته بأن تحرره من رقه، وفي ذنوب أخرى كانت الكفارة أيضًا تحرير رقبة مثل آية الظهار: "فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا"، لكن السؤال: هل يكفي في قضية خطيرة بل لعلها الأخطر في تاريخ البشرية تتعلق بكرامة الإنسان وحريته ألا يشجع عليها القرآن وحسب؟؟ ألا تقتضي مثل هذه القضية موقفًا أكثر وضوحًا من القرآن بأن ينهى عنها صراحةً؟ لماذا لم تتنزل آية تقول للناس مباشرةً: إن الرق حرام وإن من يسترق إنسانًا فهو آثم تمامًا مثل أن من يقتل إنسانًا ظلمًا فهو آثم وعليه غضب الله ولعنته؟!
غياب التحريم المباشر أغرى فريقًا من الجهلاء باعتناق آراء شاذة تدعو إلى استعادة نظام الرق والجواري بحجة أن القرآن لا يحرمه، بل إن مما صدمني هو أن دولةً مثل السعودية-المثال الأكثر تخلفًا في الحالة العربية- لم توقع على وثيقة تحريم الرق إلا عام 1962، وقد سمعنا شيخًا أردنيًا يفتي باسترقاق اللاجئات السوريات فيصبح بإمكان أي رجل أن يستمتع بخمسين أو مائة امرأة تحت اسم ملك اليمين، كما سمعت شابًا مسكينًا يمني نفسه بعودة حلم الفتوحات الإسلامية، وتحرير فلسطين قريبًا وسبي نساء العدو واتخاذهن جواري!! ما السبيل لإيقاف هذه الكارثة الأخلاقية؟!
لماذا لم يحسم القرآن القضية جذريًا ولم يحرم تحريمًا نهائيًا قاطعًا الاسترقاق الذي يتعارض حتى مع مبادئ القرآن ذاته، فالقرآن يؤكد في مئات المواضع على وحدة الجنس البشري، وعلى المساواة الإنسانية, وأن الله خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف لا ليتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله؟!
الإجابة الأقرب إلى قلبي على هذا السؤال هو أن القرآن لم يأتِ ليغير الأحوال الإنسانية بمعجزة، بل وضع مبادئ عامةً مثل العدل والإحسان، وفتح ميدان التنافس في فعل الخيرات أمام البشر، وترك الأمر بعد ذلك للتقدم الإنساني، وفي الوقت الذي يتقدم فيه البشر نحو صيغ تحقق كميةً أكبر من العدل والإحسان وتحرير الإنسان فإن الدين سيستوعب هذه الأفكار الجديدة وسيعززها، والبشر لم ينهوا ظاهرة الرق بالنصوص، بل بالتطور التاريخي الطبيعي، وفي ظل الواقع الجديد الذي وصلت إليه البشرية فإن الدين سيكون أول المرحبين بهذا الواقع الجديد الذي تزداد فيه مساحة العدل والمساواة وتتراجع مساحة الظلم والاستعلاء، بل إن الدين يسبق ببث روح خيرية في نفوس المؤمنين به تجعل نفوسهم أكثر ميلاً إلى السلام والتسامح, مما يساهم في ولادة المبادئ الأخلاقية.
لقد جاء الدين في ظل ظروف تاريخية واجتماعية متجذرة لم يكن من السهل القفز عليها، وفلسفة الدين قائمة على منح الإنسان سلطان تغيير وجه التاريخ وفق السنن الطبيعية، وليس وفق معجزة خارقة ونقلة مفاجئة، وفي الوقت الذي أنزل فيه القرآن كان نظام الرق متجذرًا في العلاقات بين الأمم والشعوب، وكانت الحروب والنزاعات هي الأصل، ولما كانت وظيفة القرآن وظيفةً واقعيةً، فلم يكن منطقيًا أن يدعو أتباعه وحدهم إلى التوقف عن الاسترقاق بينما أعداؤهم يسترقونهم ويسبون نساءهم، لأن التخلص من نظام الرق يتطلب توافقًا بين الأمم ووعيًا عامًا بين الشعوب، لذلك فإن أقصى ما كان بإمكان القرآن أن يقدمه في هذا الاتجاه هو أن يعمل على تجفيف منابع الاسترقاق دون النهي الصريح عنه في تلك المرحلة، لكن في ذات الوقت دون الدعوة إليه بطبيعة الحال..
إذاً كيف نتصرف نحن المسلمين في القرن الحادي والعشرين؟؟
إن المدخل للقيام بدور حضاري لا يكون بالعودة إلى القرآن والسنة فقط، بل تكون الخطوة الأولى هي فهم الواقع الإنساني وقراءة التطورات التاريخية والاجتماعية، ومن ثم إعادة قراءة القرآن في ضوئها وتقديم إضافتنا النوعية التي تعزز القيم الإنسانية وتدفع بالتطور التاريخي إلى الأمام، وقضية الرقيق والجواري لم يعد لها وجود اليوم ليس بحكم النصوص بل بحكم التطور الاجتماعي التاريخي، ومن غير المعقول أن تتقدم البشرية إلى الأمام ثم يأتي بعض المتدينين المتجمدين في التاريخ فيشدوا البشرية إلى الخلف بسبب فهمهم التراثي المتحنط للنصوص..
إن النصوص لا تتحرك في فراغ، بل يجب إسقاطها على الواقع التاريخي، وكلما تقدمت البشرية إلى الأمام أكثر استبصرنا في النصوص أعماقًا أكبر مما يحقق المقاصد الكبرى من عدل وإحسان ورحمة وإخراج للعباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد..
والله أعلم..

