دكتور.. رجاءً.. بسرعة هناك سبع إصابات في قسم الطوارئ؟ لملم الطبيب نفسه وفتح عيونه في الليل البهيم واعتلى صهوة السيارة الرابضة وركض إلى الهيعة. أمسكت قلبي خوفاً عليه. إنها ليالي دراكولا. هكذا يسميها بعض الأطباء. لم يتجرأ أن يسأل كيف حدث ما حدث؟ فلا يعرف نوع وحجم الارتكاس. المهم التصرف وبسرعة في سباق مع ملك الموت. سرَّب له البعض طرفاً من الخبر، سيارة جيمس جبارة يوكن بسرعة 180كم/ساعة. انفجر الإطار الأمامي. طارت السيارة إلى المجهول. حصد الموت بجرعة أولى الطفلة في عمر سبع سنوات دون إبطاء. بقي اثنان يسبحان بين الموت والحياة. فتى في عمر 14 سنة وفتاة في عمر الورد في عمر 17 سنة. أما الأم فقامت من الأموات بكسور متنوعة ونزوفات ولكن دون حافة الموت.
صديقي الجراح يعمل في مستشفى متواضع الإمكانيات؛ فليس ثمة أشعة وسونار تقرأ من شعاعي خبير. لم يبق ثمة سبيل للتصرف إلا جراحة «بيلروث النمساوي قبل 150 سنة»: هل البطن جراحي؟ هل المؤشرات تقول بنزف داخلي؟ إذن هلم إلى قاعة المشرط والمبضع والملقط.
خلال ساعة شَقَّ البطنين على طاولتين، الفتى والفتاة. كان الاثنان ينزفان من طحال ممزق إلى شظايا. في مثل هذه النزوف ليس ثمة خيار إلا استئصال الطحال أو الموت.
استطاع صديقي الجراح إنقاذ حياة الفتى والفتاة بجدارة واقتدار وفنية وتمكُّن. كانت الفتاة في حالة صدمة حين قدمت. بعد العملية تدفق الدم في عروقها من وحدات إسعافية، ولكن ليس ثمة عناية مركزة يعتمد عليها في مثل هذه الحالات الحرجة.
اتصل بزملائه في مركز أعلى وقد نشف ريقه وتصبب عرقه وهو يلهث خلف متابعة حالة الشابة. قالوا له إن كنت تضمن وصولها حية ولا تموت في الطريق أرسل الحالة. هرع إلى الجناح يسأل ذات اليمين والشمال، ممرضات، مقيمين، كل من حوله، وهو يتأمل الشابة قالوا وضعها حرج. انتظر صديقي تلك الليلة. لم يغمض له جفن. ماذا لو ماتت هنا في مركز ضعيف، ولا نستطيع التحويل لعدم استقرار الحالة. توقف البول عن الجريان «صدمة الكلية من هول النزف». طلب مساعدة زميله من قسم الباطنية. ارتعب الآخر خوف فتح باب التحقيقات والشكاوى، فيما لو توفيت؛ فرأوا اسمه في الملف.
الكل خائف. الكل يرجف. الكل في حالة هلع من رفع شكوى.
أخيراً جاء الفرج. استقرت حالة الشابة؛ فحولها إلى مركز أعلى فوصلت حية ترزق. سألته هل سألت زملاءك في المركز الأعلى أين وصلت حالتها؟ قال يكفيني ما رأيت. قلت له لقد أنقذت حياة شاب وشابة من عائلة واحدة فكيف سيكافئونك على ذلك؟ كيف سيشكرونك؟ كيف سيكون أثرك في هذه العائلة التي تدين ليديك الرائعتين بما فعلت؟
أجابني بكلمة واحدة فقط: إذا لم يرفعوا شكوى ضدي فأنا سعيد.
هذه عينة من حياة الأطباء فادعوا لهم بالحكمة والصبر.
