الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:15 م

مقالات وآراء

ترويض السلطان عند «راسل»

حجم الخط
د.خالص جلبي

يقول (راسل) في كتابه (القوة) تحت عنوان ترويض السلطان: (ولو قدر لي التحكم في شؤون التربية لعرضَّت الأطفال للاستماع إلى ما يقوله أكثر الدعاة غلواً وعنفاً من جميع الفرقاء عن مختلف المواضيع المهمة، على أن يتحدث هؤلاء الدعاة إلى المدارس عن طريق الإذاعة البريطانية. وعلى المدرس بعد ذلك أن يدعو الطلاب لتلخيص الحجج التي استعملت وأن يدخل برفق في عقولهم الرأي القائل بأن البلاغة تتناسب تناسباً عكسياً مع المنطق السليم. ولا ريب أن من أهم الأمور لمواطني النظام الديمقراطي الحصول على المناعة من البلاغة).

 

إن الحكم المطلق مرتبط دائماً بعقيدة مطلقة ومناخ من هذا النوع يعتمد أكثر من الحجة التكرار الببغائي والهوس العقائدي وهذا يخلق في النهاية جيشين يتصادمان لا حزبين يتحاوران، ولا يمكن بأي حال بناء حياة ديمقراطية أو نقاش برلماني في جو من هذا النوع.

 

مع هذا يجب الانتباه إلى عمل الوجدان فالإدراك لا يحرك إلى العمل كما تفعل المشاعر وبتعبير راسل:

(الحكمة ليست شيئاً إدراكياً مجرداً فالإدراك قد يوجه ويرشد ولكنه لا يولد القوة التي تؤدي إلى العمل فهذه القوة يجب أن تستمد من المشاعر ولا تتولد المشاعر التي تؤدي إلى نتائج اجتماعية مستحبة بطريقة سهلة تشبه تلك التي تتولد فيها مشاعر الكراهية والسخط والخوف).

 

حتى يتم التخلص من الاستبداد لابد له من وعي وكما يقول ماركس إن الفقر لا يفجر ثورة بل (وعي الفقر) ولاشيء يحرك المشاعر أكثر من إدراك الفروق والإحساس بالظلم.

 

ولكن الوعي لابد له من نشر وهذا يقود إلى فكرة (تمليح المجتمع) من خلال حمل (كتلة حرجة) من الناس الفكرة الجديدة أو بتعبير (الكواكبي): (فالأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية).

 

إن مثلث النهوض بالأمة هو ثلاثة عناصر (مؤسسات + أفكار + أشخاص) ولابد من توفر (الكتلة الحرجة) فيه كما هو الحال في كل سر دوائي أو صناعة حربية فالقنبلة النووية مثلاً كانت الكتلة الحرجة فيها سراً حربياً لابد من الوصول إليه حتى يحصل الانفجار؛ والماء حتى يغلي لابد له من درجة حرجة، كذلك الانتفاضات الجماهيرية لابد لها من درجة سخط حرجة وشعور جماهيري أي أنه (لابد من التغيير) وهي مشاعر جماعية فلابد من نضجها لأن الاستبداد يأكل الجميع مثل الطاعون والإيدز فلا يفرق في هويات المتنازعين فكرياً ولابد من إيجاد شبكة اتصالات بينها على شكل (تنظيم هلامي) تجتمع فيه كل العقول المعارضة بحيث أن ذراع السلطة مهما ضرب لا يصيب إلا الفراغ، فلا شيء أخوف للسلطة من العمل المنظم.