الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 05:40 ص

مقالات وآراء

تراثنا الشعبي ومعالم الانزلاق

حجم الخط
أيمن دلول

التراث الشعبي هو من المعالم المهمة للشعوب التي يفتخر بها كل شعب بالقدر الذي توجد عنده، وعندنا في فلسطين الكثير من هذه المعالم التي وُجدت بيننا ومارسنا أشكالها وعرضنا أشكالا أخرى في مناسباتنا المختلفة. ومن معالم التراث التي أتحدث عنها في هذا السياق ما يُعرف بـ” الدبكة أو الفلوركلور الشعبي” وهو فن يمارسه الشباب الفلسطيني على ألحان تُذكر بالوطن والقضية- أو على الأقل هكذا كان الأمر في الماضي- حيث كنا نفتخر بهذا الفن ونُبدع في إيصال رسالتنا من خلاله، بل ونفتخر باستعراض هذه الصور من تراثنا الناصع أمام الزوار والمتضامنين لبلادنا.

 

الدبكة الشعبية

قبل أيام كنت مدعواً لحضور حفل زفاف فلسطيني، وخلال الحفل كالعادة تخلله فقرة “دبكة شعبية” وقد عرفتها كذلك ليس من الأداء الذي يميل إلى الرقص أكثر من غيره، ويقوم الشباب بأداء حركاتهم بكل ميوعة بعيدا عن أصول “تراث الدبكة”، وعلى وقع أغاني ليس لها علاقة بفلسطين الوطن والقضية، عرفتها بعد تعريف أحد الشباب بالفقرة. حاولت التركيز في كلمات الأغنية، فقطفت منها مقطعا يقول: “وين الخطيبة يا هيثم وين الخطيبة.. مرضانة يا يما وامي طبيبة”، قلت في نفسي: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

 

هذا الحفل ذكرني بحفل أُقيم بجوار بيتنا وصدع آذاننا من أصوات لم أدرك حتى الآن ماذا تعني لوطننا السليب، ومنها أتذكر غناء ذلك الذي يُسمي نفسه “فنان” فيقول لفرقة “الدبكة اصطلاحا”: “يا طير الطاير يا طير الطاير.. البيضة والسمرا صارن ضرارير..”.

 

أما في مدارسنا وهذا ما تابعته خلال تقرير تلفزيوني عبر موقع “اليوتيوب” فحدث ولا حرج، إحدى المدارس الثانوية للبنات في الضفة الغربية المحتلة نظمت حفلا لطالباتها قبل شهر تقريبا حضره عشرات الرجال وتخلله ما أسمينه “دبكة شعبية”، ويا سلام على الدبكة عندما تكون فتياتنا يرتدين ملابس ضيقة تكشف ما أمر الله بستره أمام الرجال، أما ما يقمن به فالأرجح أنه رقص وليس دبكة!!.

 

إن المسئولين عن التراث والثقافة في بلادنا واجبٌ عليهم أكثر من أي وقت مضى إدراك تراثنا قبل وصوله إلى درجة سحيقة من الانحدار، فنحن نُريد رؤية “دبكة” حقيقية تعبر عن وجهنا الحقيقي وتكون على وقع كلمات تدعونا للتمسك بالوطن من قبيل: “يا ظريف الطول ساب بلاده وراح.. غير بفلسطين قلبه ما يرتاح.. يا ريحة البلاد يا عطرك فواح.. لغيرك يالبلاد قلبنا ما يرتاح”. نُريد أغاني وتُراث نفتخر به أمام شعوب كل الأرض، تراث يوصل رسالتنا بدون عناء، يرسم حكايتنا ويذكر أصناف طعامنا وشرابنا وأشجارنا، تماما كما كنا نسمع أحدهم يشدو ذات يوم بقوله: “يا طير الطاير ميل عالوادي.. هاتلي من كرم العنب زوادة.. وشوية زعتر مع تين سوادي مع ميرامية وحبة زيتونة”.

 

إن ما يدفعني للحديث عن هذه القضية المهمة الخشية من أن يكون العدو الصهيوني المحتل لبلادنا بدأ السير في طريق طمس معالم هويتنا من خلال إضاعة المعنى الحقيقي لتراثنا. تلك الصورة التي من خلالها يعبر أي شعب من الشعوب عن ماضيه وتجذره في ترابه وأرضه، وبها يرسم معالم المستقبل، وبالتالي فالخشية أننا بعد فترة الواضح أنها لن تطول “إن استمر الوضع على حاله” فلن نجد تراثا جميلاً أورثنا إياه الآباء والأجداد نفاخر به أمام العالم.