الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:17 م

مقالات وآراء

قصة الإمام علي «رضي الله عنه» والخوارج

حجم الخط
د.خالص جلبي

حين تغبشت الرؤية وبدأ المسلمون يقتلون المسلمين كما في الفتنة الكبرى في صفين وظهور تيار الخوارج، اختلط الأمر على كثيرين فجاءوا إلى الإمام علي (كرم الله وجهه) يسألونه الرأي والنصيحة، فسأله أحدهم: أكفار هم؟

قال: من الكفر فروا!

 

قالوا يا أمير المؤمنين: أو منافقون هم؟

أجاب: لا.. المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وأولئك يذكرون الله كثيراً!

تابع من يسأل إذن فمن هؤلاء وإلى من ينتسبون.

 

كان الخوارج من أشد المقاتلين ضراوة وفتكاً واستباحة للمسلمين يذكرون بداعش وأضرابهم هذه الأيام في سوريا.

أجاب الإمام علي (كرم الله وجهه) فوضع بإجابته هذه قاعدة مهمة في التعامل مع منطق الأحداث. فما هي هذه القاعدة الذهبية.

القاعدة الكبيرة في التعامل عنده هي كما قال:

ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه. البشر إذن صنفان، من يطلب الباطل ويخلط الحق بالباطل فيصل لهدفه. وهناك من يبحث عن الحقيقة والصدق ولكنه لا يصل لهدفه.

 

وهي قصة اليوم مع داعش وأمثالهم من المقاتلين في سوريا من طلاب حق ضلوا طريقهم وأضلوا كثيراً. ومعظم هؤلاء من فصائل الخوارج الجدد حافل بها كل مجتمع غير مثقف وغير متصل بروح العصر. حين أسمع الصراع في الساحة السورية ومن أين يستقون فتاواهم أعرف أننا نعيش عصر المماليك البرجية متوقفين في مربع الزمن أيام المملوك برقوق وسعيد جقمق.

 

هنا عند هذا المفصل ينقسم الناس فرقاء في موضوع حرمة الدماء. فالخوارج لم ينقصهم الحماس قط ولا الإخلاص، تشهد لهذا الخطبة العصماء التي ألقاها أبو حمزة الخارجي في مكة حين وصف أصحابه بأنهم شباب مكتهلون عمية عن الشر أعينهم بطيئة عن الباطل وأرجلهم، واصلوا جهاد نهارهم بعبادة ليلهم، فكم من مقلة في منقار طير طالما بكى صاحبها من خشية الله! وكم من كف بانت عن معصمها حين قطعها السيف البتار كان صاحبها يتكئ عليها في تهجده بالليل!

 

هذه الصورة الرائعة من الإخلاص والتوقد العاطفي والحماس للمبدأ ظهرت عند نسائهم مثل رجالهم، كما في حادثة تلك الخارجية التي أتي بها إلى الحجاج فسأل من حوله: ماذا تقولون؟ فنصحوه بأن يسارع في قتلها! فلما التفت إليها سألها هل سمعت؟ فأجابت بأن أصحابه هم خير من أصحابك؟ قال: ومن هو؟ قالت فرعون! فحين استشار الملأ في قتل موسى فقال دعوني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد، كانت نصيحتهم أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين.

 

أقول كل هذه البطولة لم تشفع للخوارج أن يكونوا على صواب، ويقول علماء النفس إن النيات الحسنة هي خير رسول للقتل والجريمة، وكم من دماء سُفكت بدافع الحماس والإخلاص، كما يحدث في سوريا مع أعوام الثورة التي امتدت فأخذت مئات الآلاف إلى عالم البقاء فإذا هم عند ربهم فريقان يختصمون.