الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 01:45 ص

مقالات وآراء

“حماس” ولعبةُ خلط الأوراق

حجم الخط
أيمن دلول

والعدو الصهيوني هو الآخر تعامل مع الحركة بأسلوب القتل البطيء على اعتبار أنها تعيش مرحلة حرجة من تاريخها بفعل الأزمة التي تحياها، لكنه في ذات الوقت دفع العديد من حلفائه من أصحاب الأقلام المأجورة في بلاد العرب والمسلمين لشن هجوم لاذع عليها بعد وقت قليل على اعتبار الحركة بأنها “إرهابية” بفعل قرار إحدى المحاكم المصرية.

 

هكذا كانت المتغيرات المحيطة بالحركة الإسلامية، وعلى عجالة من أمرها قررت أن تخلط الأوراق، وتُفشل كل مخططات المراهنين على سقوطها، فاتجهت نحو إقامة مهرجان الوفاء والثبات على درب الشهداء، واختارت له المكان والعنوان المناسبين، بل وحركت بعض أجنحتها لإيصال رسائلها لمختلف الأطراف بالشكل الذي يفهمونه وباللغة التي يدركون “لغة القوة”، ويمكن التعرف على هذه الرسائل من خلال النقاط التالية:

 

1-  سبقت الحركة المهرجان بنشر تصوير لوزير الحرب الصهيوني “موشي أيالون” بينما كان يتفقد أحد الأنفاق التي انهارت على الحدود، وقد ظهر في التصوير واضحا جدا، وكان بإمكان الحركة قنصه وقتله، بل وكان واضحا من قرب التصوير إمكانية أسره، خاصة مع قلة في عدد الحراس المحيطين به، لكنها أبقته على قيد الحياة لتجعله يتمنى الموت فلا يجده.

 

2-  سبقت الحركة المهرجان كذلك بإرسال رسائل تهديد من قبل جناحها العسكري كتائب القسام لمئات آلاف الصهاينة ومنهم جنود ومقربون جدا من مكتب رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني “بنيامين نتنياهو”، وكلها تهديد ووعيد في حال استباحة غزة، ولم تنسى أن تصل إحدى رسائلها لوزير الحرب الصهيوني وعدد من مدراء مكتب “نتنياهو”، وبذلك تكون وجهت “ضربة معلم” لقاعدة بيانات هواتف المسئولين الصهاينة، وهذا ما أعلنته، أما ما عودتنا عليه “حماس” وجناحها العسكري أنهم يُجيدون فن اللعب بالأوراق، ولا يكشفون منها إلا القليل وللحاجة فقط.

 

3-  عنوان المهرجان وأنه وفاء لدماء الشهداء واختيار “السرايا” كمكان كان له مغزى كبير، فحماس تريد القول بأن العدو اغتال قادتها لإضعافها لكنها مع كل اغتيال كانت تزداد اتساعا وانتشارا في المجتمع الفلسطيني، أما اختيار “السرايا” فله حكاية أخرى بأن قادة حماس عانوا الويلات في زنازين هذا السجن في زمن من الأزمان لكنهم اليوم يقودون ويصرحون من فوق ركام هذا المعتقل الكبير الذي استهدفته طائرات العدو الصهيوني بعشرات صواريخها. باختصار “حماس” أوصلت رسالة مفادها “نحن عندما تعتقدون بأننا ضعاف فنحن الأقوى، ولمن لم يفهم الرسالة قالتها بلغة أخرى: نحن قادرون بإذن الله على صناعة النصر من الضعف، فاحذروا أن توصلونا لهذه المرحلة” وهذه رسالة لمختلف الأطراف صهيونية أو إقليمية كانت.

 

4-  اختيار “السرايا” كذلك كان بهدف إيصال رسالة لحركة “فتح” وقيادتها المتناحرة التي لا تزال تتغنى بمليون ومائتي ألف جمعتهم في تلك الساحة، فكان مهرجان “حماس” الأكبر عددا والأكثر وحدة لقادة الحركة، بل والأكثر حشدا وتنظيما كما تحدث بذلك مختلف المراقبين. وبالتالي فمطالبة “حماس” بالمصالحة نابعة من موقف قوة وليس من موقف ضعف.

 

5-  الكلمة التي تحدث بها رئيس الوزراء إسماعيل هنية واضح بأن صياغتها هذه المرة صياغة عسكرية أكثر منها سياسية، وبالتالي فعلى الجميع قراءتها جيدا قبل فوات الأوان؛ لأن الانفجار إن وقع هذه المرة بفعل الحصار وتشديد الخناق على الشعب الفلسطيني فإن لظاه سيصل لمناطق أبعد مما كانت في الماضي ولن يُصيب العدو الصهيوني وحده. كما أن الكلمة اشتملت على العديد من الرسائل لأطراف مختلفة، ولعل ملخصها يتمثل في: لا تتعجلوا قذف “حماس” بأقلامكم وألسنتكم أو مدافعكم، فهي لم تسقط لتفعلوا ذلك، ولن تسقط ما دامت هذه الأعداد تزداد تأييدا لها زيادة طردية، كلما اشتدت المؤامرات عليها.

 

6-  إن الرسالة المهمة التي أوصلتها “حماس” بعد هذه الأعداد الكبيرة المشاركة في مهرجانها، بأن ما قدمناه بالأمس من تنازلات قد لا يصلح لما بعد المهرجان. بل إنه ليس شرطا أن نبقى أسرى لمزاجات وتقلبات حركة “فتح” في سبيل إنجاز المصالحة.

 

7-  أمرا مهما كذلك ستدرسه تأكيدا العديد من أجهزة المخابرات العربية والتي تعجلت أنظمة بلادها وصف الحركة بـ” الإرهابية”، وهو أن الأمور إن انقلبت في غزة وحدث تصعيد مع العدو الصهيوني فلن تستطيع أي عاصمة عربية التوسط لدى “حماس” في سبيل العودة للهدوء، فكيف ستطلب ذلك غدا وقد أدارت الظهر لها بالأمس، وحينها ستهوي تلك الأنظمة من حيث لا تدري، وبالتالي تصبح المعادلة واضحة “من يضرب حماس وهي ضعيفة فلن ترحمه وهي قوية”.

 

من ساحة “السرايا” قالت “حماس” كلمتها “القوي لا يبقى قويا والضعيف لا يبقى ضعيفا”، فالضعيف الذي ذاق القهر من القوي المستبد سيبقى يفكر على مدار الساعة من الثأر لأبنائه، فكيف وإن كان هذا القوي هو المحتل والمغتصب لأرض وديار ذلك الضعيف؟ وكيف وإن كان ذلك الضعيف هو الخائن الذي يقتل أبناء الضعيف بتنسيقه وتعاونه مع المحتل الغاصب؟