الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:22 م

مقالات وآراء

عمر الأرض وبدء الحياة؟

حجم الخط
د.خالص جلبي

لقد احتار في ذلك الفيلسوف الأندلسي قديما حينما عجز عن تصور بداية لهذا الكون، حتى جاءت المعلومات الحديثة بعد مرور ثمانية قرون على وفاته، تدشن انعطافات نوعية في معرفة ولادة المجرات وانفجار الكون، وتشكل الأرض وانبثاق الحياة، وظهور الإنسان والثورة الثقافية بإنتاج الأدوات والسكن والتجارة، واكتشاف النار والثورة الزراعية قبل تسعة آلاف سنة، ونطق الإنسان وتشعب اللغات وانطلاق الحضارات.

 

والسؤال حول عمر الأرض وبداية الحياة أقلق أعاظم المفكرين منذ زمن طويل؛ ففي عام 1650 للميلاد عمد جيمس أوزشير (JAMES – USSHER) كبير أساقفة أيرلندا إلى دراسة مكثفة لنصوص العهد القديم والجديد في محاولة لاكتشاف بداية رحلة الخليقة، وقرر في النهاية أن الخلق تم قبل 4004 سنوات بالضبط (لماذا أربعة فوق الأربعة آلاف؟ هل للوزن الموسيقي؟) وبعد هذا التاريخ بحوالي مائة سنة قام الفرنسي (كومت ـ دو ـ بوفون) (COMT – DE – BUFFON) الباحث في التاريخ الطبيعي فرفع رقم بداية عمر الأرض إلى 70 ألف سنة، إلا أن الفيلسوف الألماني الشهير (إيمانويل كانت) (IMMANUEL KANT) عندما عصر دماغه لفهم رحلة الحياة على الأرض، أدرك أن بداية الحياة تفوق أي تصور إنساني معاصر، فوضع كتابه الشهير (التاريخ الطبيعي العام) عام 1755م، فوجد ونظرياً ـ بشكل لافت للنظر ـ أن الرحلة قد تمتد إلى ملايين السنوات إن لم تكن مئات ملايين السنوات، ولكن أين التقنية التي نعرف بواسطتها عمر طبقات الأرض فضلاً عن عمر العظام التي تبرز إلى السطح بين الحين والآخر؟

 

وعندما نراجع كتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري، نرى روح العصر وتحدد إمكانات فتح أبحاث من هذا النوع، كما نرى فيه الأمانة العلمية وهو ينقل آراء عصره وتحديدهم لعمر الأرض، فتراوحت الأرقام التي وضعوها بين (3139) سنة في محيط الثقافة الإيرانية، و(4642) سنة عند اليهود، وارتفعت عند النصارى الأرثوذكس لتصل إلى (5992) سنة وبضعة أشهر (زيادة في الدقة)؟

 

أما المؤرخون في محيط الفكر الإسلامي القديم فلم يخطر في بالهم أكثر من سبعة آلاف سنة، واعتبر بعضهم أن ستة آلاف وخمسمائة سنة مضت، ولم يبق أمام انهيار العالم ونهايته سوى خمسمائة عام فقط، ويختم الطبري المؤرخ كلامه بحكمة كبيرة (والله أعلم)؛ فهو يترك المجال دوماً للزيادة والنقص والحذف والإضافة، وهذه طريقة في غاية الحكمة اعتادها علماؤنا قديماً في ختم أبحاثهم.