الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 06:17 ص

مقالات وآراء

الحرب من منظور الفيلسوف إيمانويل كانت

حجم الخط
د.خالص جلبي

الحرب كما يقول الفيلسوف (إيمانويل كانت) لا تنظف المجتمع من السيئين بل تزيدهم، وتدخل المرض إلى كل مفاصل المجتمع، وكل حرب تتغذى من حرب جديدة، فتقول هل من مزيد.

 

لقد بلغ عدد ضحايا الجيش الأحمر مثلاً في معركة ستالينجراد 750 ألفاً بين قتيل وجريح ومفقود، وخسر الألمان نحو 400 ألف، ووقع في الأسر 90 ألفاً، لم يرجع منهم إلى الوطن سوى خمسة آلاف.

 

من هؤلاء الخمسة آلاف تحدثت إلى بعضهم أنا شخصياً، ممن اكتحلت عيناه برؤية الوطن. كان ذلك أثناء رحلة تخصصي في ألمانيا بعد مرور ثلاثين عاماً على الحرب.

 

وخسر الإيطاليون 130 ألفاً، والمجريون والرومان 320 ألفاً، ولم يبق من أهل المدينة البائسة سوى 1500 شخص.

 

وعند الاستسلام وقع في الأسر 500 ألف أسير، مات منهم خلال أشهر 400 ألف أسير دفع الكل ضريبة الحرب؛ وأما الروس ففقدوا حوالي 22 مليون نسمة، وفقد الألمان حوالي ستة الملايين، وخسر العالم أكثر من خمسين مليوناً.

 

خسر الألمان ربع الرايخ، وهرب من الشرق 12 مليوناً، تركوا أراضيهم، ومات منهم في طريق الفرار مليونان، وقسمت ألمانيا إلى شطرين.

 

ولم تسترجع ألمانيا وحدتها إلا بعد نصف قرن، تحت أربعة شروط:

ـ عدم امتلاك أو إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

 

ـ وأن لا يزيد الجيش الألماني عن 370 ألف مقاتل.

 

ـ وأن لا تعسكر قوات الناتو في ألمانيا.

 

ـ وأن لا تطالب ألمانيا في المستقبل مطلقاً بأي أراض ألمانية سابقة.

 

هناك بالمناسبة مشروع اسمه (إيكولوت Echolot) يشرف عليه ألماني وروسي، يجمعان وثائق الحرب، لعشرات الناس الذين عاصروها، كي تنقل التجربة الإنسانية بكل أبعادها؛ فتخرج عن كونها مسألة إحصائية.

 

بلغت اليوم وثائق هذا المشروع الحيوي التاريخي 6500 وثيقة و300 ألف صورة تروي مشاعر الناس الفردية، وكيف عاشوها يوماً بيوم.

 

إن محكمة نورمبرغ التي سلطت على رؤوس النازيين فقط ونجا منها ترومان وستالين، وصلت إلى قفزة نوعية في تاريخ الحرب؛ عندما اعتبرت أن الحرب هي أفظع الفظائع، وهي بحد ذاتها جريمة. وحملة بارباروسا على روسيا كانت ذروة هذه الفظائع وكما يقول المثل إن كان ثمة فائدة من الحرب فهي أن لا تكرر، ومنه يصرخ الألمان بجملة سمعتها منهم دوماً: لا حرب جديدة من الأرض الألمانية.