الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:24 م

مقالات وآراء

الديكتاتورية سرطان

حجم الخط
د.خالص جلبي

الديكتاتورية سرطان لعين ينمو ببدايات بسيطة لا ينتبه لها أحد مثل الغرسة الضعيفة لتصبح شجرة باسقة طلعها كأنه رؤوس الشياطين تظلل بأغصانها شعوبا كاملة بالرعب وتغلف سماء حياتهم بشفق أحمر من المعاناة.

 

وتبقى المراهنة في التخلص من الطغاة بتحرك الجماهير (سلمياً) إلى الشوارع تطالبه بالتنحي وهذا الذي حدث في يوغسلافيا سابقا عندما اقتحمت الجماهير في أيام قليلة أماكن الاستبداد وكنستها بعد ثلاث عشرة سنة من الطغيان.

 

ويشكك (ماسيمو كالابريسي) في الوصفة التي نجحت مع يوغسلافيا أن تثبت فعاليتها في أماكن أخرى من العالم الثالث ترزح تحت جبروت الديكتاتورية:

(إن السؤال في كيفية التخلص من طاغية هو من أكثر المسائل الشائكة في السياسة الخارجية) ليصل في النهاية إلى الدرس المستفاد من صدع البلقان (في الوقت الذي تشجع الديمقراطية تحصد سقوط عتاة الطواغيت).

 

أو بكلمات القرآن إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

من العجيب أن الصورة التي أخذناها عن الصرب أنهم قتلة ولكن صور التليفزيون نقلت لنا إنجازهم الرائع بحيث نقف نحن خلفهم بدرجات عما حققوه. وكل السر أن نضج الأمة هناك وصل إلى مستوى تشكيل المعارضة العاقلة بحيث نرى انتخابات فيها قدر من المعقولية وإمكانية أن تفتح المعارضة فمها للمواجهة.

 

نعم إن هزيمتنا أمام الأنظمة القمعية ليس لها حدود في استعمار جديد دون احتلال عسكري تثبت طفولة سياسية وأمة قاصرة تعجز عن حكم نفسها.

 

إن رحلة الديمقراطية لم نبدأها بعد دون تباشير إلى الاهتداء إلى طريق في الصحراء العربية. ومع كل الفظاعات التي حصلت في يوغسلافيا تبقى أمة فيها قدر كبير من النضج والعافية، بحيث تحركت فيها مظاهرات وتخرجت قيادات تحدت الطاغية وزاحمته في الانتخابات.

 

أما عندنا فهي في ثلاث صور إما إلوهية الحاكم أو التصويت لواحد ليس عندنا بديل عنه في أمة عقيمة ملغية أو وضع ديكور سياسي كاذب.

 

وبهذه الصورة من التألق يجب فهم كيف حدث ما حدث وكيف أنجزت صربيا ثورتها السلمية.

وإن في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى.

 

عندما أتأمل أوراق الخريف هذه الأيام وهي تسقط أعرف أنها تتهاوى عندما يحين وقت سقوطها؛ فلم تسقط الأوراق في الصيف مع عبث الهواء كما لم يحفظها من السقوط في الخريف هدوء الريح.

 

إنها حكمة بالغة في إدراك أن العوامل الداخلية هي التي تلعب الدور الفيصل في ولادة الأحداث.