الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 07:55 ص

مقالات وآراء

مفهوم التضحية وتوظيفه في المكان الخطأ

حجم الخط
أحمد ابو رتيمة

من بذور الأفكار الخطيرة المتسللة إلى وعينا الجمعي فكرة التضحية مؤشراً على صحة المسار، فكلما كانت هناك دماء وضحايا أكثر، منحنا ذلك شعوراً مطمئناً أننا نسير في الاتجاه الصحيح..

 

هذه الفكرة تخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب، فتضحية إنسان في سبيل فكرة هو مؤشر فقط على قوة إيمانه بها، لكنها ليس ضماناً على صواب الفكرة بالضرورة فهناك ملايين من مختلف المذاهب تسابقوا إلى الموت دفاعاً عن مذاهبهم دون أن يعني هذا صحة أفكارهم، وحتى لو افترضنا صحة المبدأ فإنه قد يكون بالإمكان حين نفكر بعقولنا وننظر من زوايا أخرى أن ننصر مبادئنا بتكلفة أقل دمويةً تحقق ذات الأهداف، فما الحاجة حينئذ للتكلفة الأكبر وقد علمنا أن العبرة بجني العنب لا بمقاتلة الناطور!.

 

خطورة فكرة التضحية أنها تغلق أبواب مراجعة السلوك السياسي وتمنعنا من البحث في اختصار التكلفة وتخلق فجوةً بيننا وبين فهم الواقع بموضوعية، لأنه قد استقر في وعينا الباطن أن الذي يقدم دماءً أكثر فهو على الحق مهما طالت الطريق وعظمت التضحيات، فما الداعي إذاً للمراجعة وإعادة تقييم الوسائل، وما دام الآخرون الذين يتحدثون عن الواقعية السياسية لا يضحون مثلنا فليس لهم الحق في إسداء النصائح، وقد قال لي أحدهم إنه لا يؤمن بأهل الأقوال، إنما يؤمن بأهل الأفعال الذين يبيتون في الخنادق، قلت له: ألا يحتاج المجاهد في الخنادق إلى رؤية سياسية واضحة حتى يعلم إلى أين هو سائر وحتى يكون لجهاده معنىً، وما قيمة أن نقاتل دون وضوح المسار، وما جدوى البندقية دون سياسي؟؟

 

نجد أثر هذه الفكرة واضحاً اليوم في سوريا ومصر وعندنا في فلسطين، فنحن نعزي أنفسنا أن كل الخسائر والكوارث التي تصب فوق رؤوس الشعب السوري تدخل في باب الابتلاء والتمحيص وتمايز الطيب عن الخبيث وكفى!! هذه الإجابة الجاهزة المختصرة لن تحل المشكلة وستسقط كثيراً من التفاصيل المهمة مما سيفقد الثورة أي مراجعات وقراءة لتقديرات الموقف بلغة عقلانية واقعية..

 

من حيث المبدأ من قال إن الله يشترط حتى ينصرنا أن تجري دماؤنا أنهاراً في الشوارع!.. هذه الفكرة تظهر الإله في صورة وحشية ينتظر القرابين البشرية حتى يرضى، ويظهر عمق هذه الثقافة فينا في المثل الذي نردده حول تقديم القرابين على مذبح الحرية "قرابين-مذبح!" ما كل هذا القدر من الدموية!..

 

نعم هناك مفاهيم دينية مثل الابتلاء والجهاد والقتال وشراء الله لأنفس المؤمنين، لكنها مفاهيم ينبغي أن توضع في موضعها الصحيح، فغاية هذه المفاهيم أن تمحص نفوس المؤمنين وتظهر مدى استعدادهم المبدئي للعطاء في سبيل الله، والله تعالى قد سن الابتلاء ليختبر صدق إيمان الناس، ولا يعني مفهوم الابتلاء أن من يظهر قدرات انتحاريةً أكثر ويقتحم مغامرات مجنونةً غير محسوبة فهو الأصدق إيماناً، فكثيراً ما يكون الضحايا تعبيراً عن أزمة تفكير وعجز عن الفهم الصحيح للواقع واستعصاء اجتماعي كما هو الحال في أوروبا حين قدمت عشرات الملايين من أبنائها ضحايا في الحربين العالميتين في مغامرات مجنونة لم يكن لها أي معنى..

 

إن المؤمن الذي يبيع نفسه لله فهو إنما يعلن بذلك أنه مستعد لدفع أي ثمن في سبيل الله إذا اقتضت الضرورة، ولا يعني أن الموت صار ترفاً مقصوداً لذاته، فحتى لو كان الموت سيؤدي بنا إلى الجنة فهو ليس مطلوباً لذاته، لأن الله خلقنا لأداء رسالة لا لنسعى للتخلص من الحياة بأي ثمن، وحين تضيق الدنيا في وجوه المؤمنين وتسد الأبواب ولا يجدون بديلاً عن بذل أرواحهم في سبيل التمكين لمبادئهم تظهر قيمة الشهادة، لكن ما دام الأمر يحتمل خروجاً من الصندوق، وبحثاً في الأفكار الممكنة، وإبصار مخارج سياسية تخفض تكلفة الانتصار، فالأولى التوجه نحو الحلول السياسية وفق إمكانات الواقع، وقد امتن الله على المؤمنين بتجنيبهم المواجهة العسكرية إذ لم يكن القتال يوماً هدفاً في ذاته: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً" ..

 

لا يأمر الله تعالى المؤمنين أن يبيعوا أروحهم في فراغ، وإسقاط هذه المعاني لا يكون إلا بفقه الواقع و القراءة السياسية، ومعرفة إن كان هذا البذل سيحقق أهدافه أم أنه موت وحسب..لا يكفي أن نموت لنذهب إلى الجنة بل يجب مراعاة جدوى العمل والعائد من ورائه والتقديرات السياسية.. إن قيم الشهادة والجهاد تتطلب إسقاطاً على واقع صحيح تتحقق فيه الشروط التي تجعله عملاً مثمراً لا عبثياً دموياً وحسب..

 

من الضروري أن نفصل بين المبادئ الروحية القرآنية وبين أخطاء البشر وأفكارهم المميتة، فنحن لا نناقش في معاني الشهادة والجهاد والابتلاء، إنما ندرس السلوك السياسي البشري، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يخوض مغامرات عسكريةً دون فهم السياق السياسي، ولو كان الأمر تضحيةً وحسب لتصلب على موقفه ولما قبل بتسوية سياسية مع قريش تمثلت في عقد صلح الحديبية، ولما قال عليه السلام: "والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".

 

ما يحكم إن كان البذل في موقعه الصحيح أم أنه عبثية ناتجة عن جمود فكري وقصور سياسي هو أن نسأل أنفسنا هذا السؤال في كل مرة: هل كان بالإمكان تجنب هذه المعركة وتحقيق ذات الأهداف بخسائر أقل، أم أنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان.. هل ما يحدث اليوم في البلاد العربية تضحيات في مكانها الصحيح أم أنها دماء بلا معنى.. وهل من أفق سياسي نراه أمامنا؟...

 

إن من الخطر الشديد أن نبني تصورنا الحضاري على فكرة الدماء والأشلاء بل إن هذا هو الجنون بعينه..