الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 12:28 م

مقالات وآراء

د. محمد المسفر

أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر
عدد مقالات الكاتب [330 ]

كنت في الرياض وحوارات لم تنته

حجم الخط
د.محمد المسفر

بدعوة كريمة من وزارة الحرس الملكي للمشاركة في الموسم الثقافي والفكري السنوي في الجنادرية، قدر لي أن ألتقي بشخصيات لها دور في مسيرة السياسة العربية، فكرا وإعلاما وثقافة أدبية وغير ذلك.

 

في هذه الزاوية سأروي حديثا دار بيني وبين مجموعة من أهل القلم في الشأن العربي ودور قطر في هذا الشأن.. كان من بين من التقيت رجال إعلام مرموقين بعضهم يقدم برنامجا حواريا في إحدى المحطات التلفزيونية. سألني محدثي ماذا تفعل الجزيرة؟ قلت: تذيع أخبار ووقائع العالم العربي. سألت تلك الشخصية الإعلامية المرموقة: لماذا تعتقلون مراسلي الجزيرة وأنتم في بلادكم دعاة لحرية الرأي والإعلام؟

 

قال: الجزيرة مسببة لنا قلق، أخبارها كاذبة، وصورها المبثوثة مفبركة، وعندما تم القبض على من ذكرت وجدنا عندهم أموالا وفيرة، ووثائق تدينهم، منها أنهم يتصلون بأشخاص ويدفعون لهم أموالا.

 

قلت: المال الذي تقول عنه، بالضرورة يكون لكل مؤسسة ميزانية لتنفق منها على ضيوف برامجها، كما تفعل أنت مع ضيوف برنامجك، وكما تفعل محطة الـ(بي. بي. سي) المغرمين بها، إنها تدفع مبلغا من المال لكل مشارك في برامجها، فهل هذا عيب سياسي تدان به الجزيرة. الأمر الآخر هل صور ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وغيرها من الميادين في القاهرة والإسكندرية والسويس ومحافظات أخرى صور ملفقة؟. الأمر الثاني أن كل مراسلي الجزيرة في مصر مصريون وأجانب وليس بينهم قطري واحد، وأن الجزيرة تستضيف في برامجها واحدا من أنصار الانقلابيين في مصر وآخر من أنصار الشرعية، فأين الخطأ في ذلك؟

قلت: في ثورة 25 يناير التي فجرها شباب مصر كانت الجزيرة تبث كل أفعالهم وما يتعرضون له من قمع من قبل نظام حسني مبارك، ميادين مصر وثورة شبابها كانت على شاشة الجزيرة وكنتم تتغنون بها، فهل انقلبتم على أعقابكم بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013؟ الجزيرة هي ذاتها التي كانت سندا لشعب مصر في ثورته في يناير، إنها تناصر النظام الذي انتخبتموه أنتم شعب مصر وما برح الآلاف من الشعب يسير في شوارع محافظات مصر مطالبا بعودة الشرعية. أنا لست موظفا في الجزيرة ولم أظهر على شاشتها منذ ثورة الربيع العربي، لكن علي أن أقول ما أؤمن به، ولعلمكم لقد خاصمت الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي عندما بدأت تنقل مقابلات مع بعض القيادات الإسرائيلية ومن على شاشتها.

 

قال آخر في هذا الحوار: الجزيرة تسبب لنا قلقا. قلت: ما الذي يقلقك؟ أخبارها برامجها ضيوفها؟، قال: كل ما قلت يقلقني. قلت: عليك إذا ألا تشاهدها، أعرض عنها، هناك أكثر من ثلاثين محطة تلفزيونية ومحطات إذاعة صوتية وصحف ومجلات، وفيس بوك، وتويتر وغير ذلك من وسائل الاتصال الاجتماعي تقول ما تريد أن تسمع لا ما يجب أن تسمع، ألا يغنيك ذلك عن الجزيرة؟ قال نعم. لكني لا أستطيع إلا مشاهدتها، إنها استقطبت عقول الناس. قلت: لأنها تقول الحقيقة وتنقل صور الواقع في عالمنا العربي ولهذا استقطبت الجماهير.

 

(2)

صاح ديك الصباح في ذلك الجمع الطيب في فندق إنتركونتننتال، وقال: قطر تعمل على تقسيم السعودية كما قسمت العراق، واليمن والسودان وفلسطين، وهي تعمل على تقسيم سورية اليوم وسلاحها الفتاك محطة الجزيرة وأموال الغاز والبترول.

قلت: هون عليك. قطر تؤمن إيمانا راسخا بأن أمنها من أمن المملكة العربية السعودية وهي أكثر حرصا على أمن ووحدة السعودية واستقرارها، وإذا كان هناك خلاف بين الدولتين فهو خلاف لا يرقى إلى فرض حصار أو إغلاق المجال الجوي أمام الملاحة الجوية القطرية أو تعليق عضويتها في مجلس التعاون كما يشاع، وهذا الموضوع يحتاج إلى إجماع في المجلس الأعلى حسب قانون التأسيس للمجلس والإجماع ليس متوفرا. فوق هذا، فالقيادة السعودية حكيمة وبلغت سن الرشد السياسي ولا يمكن أن تقدم على أي من تلك الشائعات، إن خلافهم، حسب ظني، هو حول الشأن المصري، السعوديون يؤيدون حكم العسكر لمصر الذين أطاحوا بالحكومة المنتخبة وأيدهم في ذلك جحافل من الشعب، وهذا خلاف العقيدة السياسية السعودية كما أعلم، وقطر تؤيد إرادة الشعب الذي انتخب رئيسا للجمهورية من حزب سياسي ليس شيوعيا ولا مواليا للصهيونية ولا معاديا لأي دولة عربية.

 

(3)

أما العراق يا سادة فالعرب كلهم شاركوا في ذبحه، مصر على سبيل المثال طلع منها أكثر من 35 ألف طلعة حربية جوية (جريدة العربي ــ مصر في 8 / 7 / 2001) لتدمير العراق لصالح أمريكا وإسرائيل، ودول الخليج كلها شاركت في المجهود الحربي لاحتلال أمريكا وبريطانيا للعراق وتدميره، ولا شك أنهم اليوم يعضون على أصابعهم ندما على ما فعلوا بالعراق.

 

(4)

الشأن اليمني، فما تقول به يا صاحبي بهتان مبين، قطر كانت وما برحت من أنصار وحدة اليمن منذ عام 1994، والذي فككها إلى ستة أقاليم هم اليمنيون وحدهم وما انفكت المظاهرات تجوب المحافظات اليمنية ضد ذلك التقسيم أو التجزئة أن شئت. السؤال الذي يطرح نفسه: ما فائدة قطر على تفكيك السودان؟ علما بأنها أكثر دولة عربية قدمت أموالا وجهودا سياسية من أجل وحدة السودان وتوحيد قواها السياسية، والذي كان يعمل على إضعاف السودان داخليا وخارجيا هو نظاما حسني مبارك في شرم الشيخ ومعمر القذافي في براري سرت قبل الإطاحة بهما شعبيا، فلا تظلموا قطر في هذا الشأن.

 

(5)

وما تقول به عن فلسطين، فمن يحاصر غزة اليوم، أليس النظام السياسي المصري القائم اليوم وكذلك إسرائيل، ومن يتآمر اليوم ويدعو محمد دحلان لقيادة السلطة الفلسطينية بدلا من عباس؟ أليست القيادة المصرية الحاكمة اليوم؟ واسألوا محمود عباس وكذلك إسرائيل، وكان آخر جهد في هذا أن نتنياهو أرسل أحد مساعديه إلى دولة خليجية ــ حتما ليست قطر ــ لمقابلة دحلان للتشاور معه ليحل محل عباس في قيادة السلطة بالتعاون مع إسرائيل ومصر الانقلابية.

 

(6)

وماذا عن سورية الجريحة؟ أليست دولة قطر والمملكة العربية السعودية وآخرون يعملون على نصرة الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة وحقه في اختيار نظام حكمه وقياداته ولم يعد ذلك الأمر من الأسرار التي يجب عدم البوح بها. الثورة السورية وقياداتها على اختلاف اتجاهاتهم السياسية عدا تنظيم القاعدة يلقون تأييدا من كل دول الخليج العربي ولم تعمل دولة قطر منفردة في هذا الشأن، فهل أنتم تعقلون ما تقولون؟

 

آخر القول: القيادة السياسية القطرية ملتزمة بمبدأ لا تحيد عنه، هو نصرة المظلوم، فردا كان أو شعبا، واتركوا خلفكم ظنون السوء يا عرب.