كانت المرة الأكثر وضوحًا التي يهدد فيها الفلسطينيون بحل السلطة الفلسطينية ردًّا على تأزم "المسيرة السياسية" مع الاحتلال ما ورد على لسان رئيسها محمود عباس في ديسمبر 2012م، قائلًا: "إذا لم يحصل تقدم في المفاوضات؛ فسأتصل هاتفيًّا برئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، وأقول له: (صديقي العزيز، أدعوك للمقاطعة مقر الرئاسة برام الله، اجلس مكاني، وتسلم المفاتيح، وستكون المسئول عن الفلسطينيين)".
ومنذ ذلك التاريخ دخل الجانبان السلطة الفلسطينية والاحتلال في (ماراثون) تفاوضي مكثف برعاية أمريكية، لكن التشاؤم الفلسطيني يسود الشارع وسط التسريبات الصادرة عن انسداد في أفق المباحثات، واحتمال الوصول إلى مرحلة فشلها، رغم ما يصدره الراعي الأمريكي من أجواء متفائلة.
وفي قراءة سياسية للنتيجة المتوقعة لفشل المفاوضات، ممثلة بانهيار السلطة الفلسطينية أو حلها، أصدر "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" (PCPSR) دراسة تناولت هذا (السيناريو)، لاقت أصداء كبيرة في دوائر صنع القرار في السلطة والكيان العبري.
التوقع السائد فلسطينيًّا _إذا استمر التأزم التفاوضي_ أن يفرض الاحتلال عقوبات مالية وإدارية وسياسية على السلطة، أو يستنتج الفلسطينيون أن "حل الدولتين" ليس ممكنًا، وأن وجود السلطة لم يعد ضروريًّا، وقد تتفاقم الأزمة المالية والسياسية، ويتبعها إضرابات وتظاهرات شعبية ضد السلطة، ما قد يضعفها، وقد تعود المجموعات المسلحة إلى الظهور علنًا، ما قد يؤدي إلى إضعافها، ولا تستطيع القيام بوظائفها المتوقعة منها، وقد حصل في سنوات سابقة أن عمت التظاهرات الضفة الغربية احتجاجًا على غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار؛ بسبب الأزمة المالية للسلطة، لاسيما أواخر عام 2012م.
الواضح أن هناك اعتقادًا سائدًا لدى معظم الفلسطينيين بأن الاحتلال ينظر إلى لسلطة على أنها تلعب دورين مهمين: تعفيه من مسؤولية رعاية من يعيشون تحت سيطرته، وفي الوقت نفسه تحميه من التهديد الديموغرافي المتجسد في واقع الدولة الواحدة الحالي، ومع هذا إن الاحتلال قد يلجأ إلى فرض عقوبات من شأنها أن تؤدي عن قصد أو عن غير قصد إلى انهيار السلطة الفلسطينية، وهو ما تبدى أخيرًا في تهديد الاحتلال بقطع التيار الكهربائي عن الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ بسبب تراكم الديون المالية عليهم.
وإن عددًا ضئيلًا من الفلسطينيين يعتقد أن على السلطة أن تحل نفسها لإجبار الاحتلال على تحمل مسؤوليته الكاملة بصفته قوة محتلة، وإن انهارت السلطة أو حلت؛ فقد يشكل ذلك ضربة مدوية لجهود الفلسطينيين الرامية إلى توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، لاسيما إذا خضعت الأولى لاحتلال (إسرائيلي) كامل، وكسبت الأخيرة المزيد من الاستقلال وسمات الدولة، وسيوجه انهيار السلطة ضربة قاصمة لنهج حركة فتح في نزاعها مع الاحتلال، مقابل اكتساب حماس مصداقية أكبر.
من أبرز المحاور المترتبة على مثل هذا (السيناريو) البعد الاقتصادي، مع توقع أن أسوأ "السيناريوهات" لانهيار السلطة تلاشي 3 مليارات دولار من الإنفاق العام، وتوجيه ضربة قاسية للقطاع الخاص، وتراجع واسع للخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات والمياه والطاقة، وتعريض 100 ألف موظف فلسطيني لفقدان مصادر دخلهم، ما سيرفع معدل البطالة إلى مستويات غير مسبوقة بنسبة 40%.
ويبرز التحذير من ارتفاع معدلات الفقر والجريمة والخروج عن القانون بشكل خطير، وأن تلجأ المجموعات المسلحة إلى تطبيق القانون بأيديها، ما سيعزز من فرص وقوع مواجهات داخلية وفلسطينية- (إسرائيلية)، مع بروز فرضية انهيار الأمن الداخلي، خاصة مع الشكاوى الأخيرة من بروز مجموعات مسلحة تتحدى السلطة في مدن الضفة.
وإن اندلاع الانتفاضة الثالثة قد يصبح أمرًا لا مفر منه، ومع انهيار التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية و(الإسرائيلية) سيواجه الجيش والمستوطنون تهديدات جديدة؛ نتيجة تنافس حركتي فتح وحماس في اكتساب مزيد من الشعبية بتنفيذ العمليات الفدائية، رغم تأكيد عباس استمرار التعاون الأمني لملاحقة المجموعات المسلحة.
من الواضح أن الرابح الأكبر من (سيناريو) انهيار السلطة أو حلها هي حماس؛ لأنها ستعيد تنظيم نفسها وتجديد أنشطتها في الضفة الغربية، وستتمكن من بناء قوتها العسكرية بسرعة، وتصعيد مقاومتها المسلحة ضد الاحتلال، بعد ملاحقتها المتواصلة من السلطة والاحتلال، مع توقع أن تحافظ على الهدوء في غزة؛ لتثبيت سلطتها هناك، لكن عدم تلقي عشرات آلاف الموظفين هناك رواتبهم من السلطة المنهارة سيفاقم من التحديات الماثلة أمام الحركة، لاسيما على الصعيد المعيشي والاقتصادي.

