الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:32 م

مقالات وآراء

قصة الخيَّاطة السوداء

حجم الخط
د.خالص جلبي

ما قلب حياة المهاتما غاندي رأساً على عقب إلقاؤه من القطار في ليلة باردة لأنه تجرأ فجلس في مقصورة الدرجة الأولى. كانت حكومة جنوب إفريقيا تطبّق الفصل العنصري. ومثل ذلك كان يجري في أمريكا؛ حتى جاء يوم 5 ديسمبر من عام 1955 حين كانت الخياطة روزا باركس Rosa Parksفي طريقها إلى منزلها بعد أن أنهت يوماً حافلاً بالعمل.

 

كانت قوانين المرور في مدينة مونتغمري من مقاطعة ألاباما الجنوبية في الولايات المتحدة الأمريكية تنص على أن يدفع السود ثمن التذكرة من الباب الأمامي، ولكن عليهم أن يصعدوا الحافلة من الباب الخلفي؛ كما كان محظوراً عليهم أن يركبوا في المقعد المجاور لمرور الركاب Isle.

 

كذلك كان القانون يقول إن الأسود يجب أن يخلي موقعه للأبيض في الازدحام. ولكن ذلك اليوم البارد من ديسمبر كان على موعد مع حدث جلل؛ فقد صعد رجل أبيض إلى الحافلة ووقف أمام روزا باركس – وهي السوداء – ينتظر أن تقوم وتترك مقعدها له؟ لكن روزا باركس قررت أن تفعل شيئاً جديداً يكسر القانون العنصري، فرفضت بكلِّ بساطة التخلِّي عن مقعدها للأبيض. وأمام إصرارها، تدخلت الشرطة، فانتزعتها من مقعدها بالقوة، وأجبرتها على دفع غرامة، فأوقفَت في الحجز لمخالفتها قانون الولاية.

كان الحادث الشرارة التي أوقدت ناراً هائلة في غابة جافة عظيمة من مشاعر محتقنة ضد الظلم والتمييز العنصري. لم تلجأ روزا السوداء إلى المقاومة بالسلاح وأعمال العنف، بل كانت سلمية مدنية؛ فقاطع السود الحافلات لمدة عام كامل، ورُفِعَت القضية إلى أعلى هيئة دستورية في البلد، واستمرت المحاكمة مدة 381 يوماً.

 

وفي النهاية خرجت المحكمة بحكمها الذي نصر روزا باركس في محنتها. وهكذا انكسر القانون العنصري إلى غير رجعة. وبعد مرور وقت طويل تم إحياء ذكرى الحادثة في التاريخ الأمريكي، وأعلن السيد ستيف هامب، مدير متحف هنري فورد في مدينة ديربورن في ميتشيغن عن شراء الحافلة القديمة المهترئة من موديل الأربعينيات التي وقعت فيها حادثة السيدة روزا باركس بمبلغ 492 ألف دولار أمريكي.

 

بعد أن بلغت روزا باركس الثمانين من العمر، تذكر في كتاب صدر لها لاحقاً بعنوان (القوة الهادئة) عام 1994: «في ذلك اليوم تذكرت أجدادي وآبائي، والتجأت إلى الله، فأعطاني القوة التي يمنحها للمستضعفين».

 

هذا الأسلوب الهادئ البسيط هو الذي يكسر أشد القوانين جبروتاً وتيبساً وعنصرية بـ«رفض الطاعة». إنه أسلوب خفيٌّ محجوب، قريب ومبارك ونبوي، في المقاومة المدنية؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن الطاغية لا يقاوَم بقتله، بل برفض طاعته وعدم التعاون معه في الشر. ولكننا، على ما يبدو، نؤمن بأن سيد الحلول هو القتل الذي لا يولِّد إلا مزيداً من القتل؛ وبيننا وبين الفهم سنة ضوئية!