الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 09:56 م

مقالات وآراء

ديالكتيك الثورات العربية وارتداداتها المضادة

حجم الخط
فهمي شراب

يرجع بنا الحديث عن (ديالكتيك) الثورات والثورات المضادة في الدول العربية، وطبيعة دول المشرق العربي إلى ضرورة تأكيد أن مجتمعاتنا العربية بميراثها عبر العقود الأخيرة كانت أرضًا لم تنبت فيها ديمقراطية حقيقية، وذلك لسببين:

 

أولهما: فقدان التنشئة السياسية السليمة بفعل ترسب قيم أنظمة شمولية عبر عدة عقود سابقة، والناتج عنها فكرة "عدم تقبل الآخر"، وبذلك عدم تقبل نتائج الانتخابات، لو جاءت على غير هوى مَن تعود احتلال مواقع السلطة، وهذه السلطة مستعدة أن تضحي بجزء كبير من شعبها من أجل البقاء في السلطة، كما حدث في أثناء الثورة الليبية ويحدث الآن في سوريا.

 

ثانيهما: ابتلاء دول المشرق باهتمام الغرب الذي مازال طامعًا في خيراتها المتمثلة في البترول والغاز، وممراتها الدولية، ومواردها المائية، وموقعها الإستراتيجي، وضمان أمن الكيان العبري الذي يعد "دولة حاجزة" و"دولة وظيفية"، ورأس حربة للمشروع الغربي في المنطقة، وما تقدمه بعض الدول الإقليمية الفاعلة للدول العظمى، إضافة إلى ما يمثله الإسلام كونه دينًا حضاريًّا من أهمية كبيرة ومحرك روحي للشعوب، إذ استهدف بعد زوال خطر الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1989م، وبعد تزايد تأثير نظرية "صراع الحضارات"، وظهور تأثير اليمينيين المتطرفين في الغرب والولايات المتحدة تحديدًا.

 

كل ذلك جعل الدول العربية التي شهدت ثورات محل اهتمام وتدخل كبيرين، تلك العوامل جعلت الثورات التي ظهرت بفعل عفوي وإرادة شعبية حقيقية في معركة غير متكافئة أحيانًا مع "الثورات المضادة" المدعومة من الغرب، كما حصل أخيرًا في مصر.

 

ومع ذلك كله نقول باطمئنان: إنه الآن، وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة تغيرت المفاهيم والموازين، وبات يُقرأ جيدًا أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، حتى لو تعثرت بعض الثورات عامًا أو عامين؛ فذلك لا يعد شيئًا يُذكر في عُمر الشعوب والحضارات، ومن المنظور جيدًا أن دول المشرق العربي (الشرق الأوسط) باتت تتقدم بخطى حثيثة، تسابق فيها قياداتها، وتسابق الزمن نحو قيادة نفسها كما تريد لا كما يراد لها، وتسعى جاهدة لانتزاع حقها في تقرير شئونها المصيرية لدولها، حتى بعد تعثر بعض الثورات، ومما لا يمكن لأي عين أن تغفله أن جمهور الوطن العربي أصبح مشاركًا في صناعة الأحداث على مسرح الحياة السياسية، وليس فقط مجرد مشاهد، أو شاهد زور، وهذا الطرح يستند في سلامة منطقه إلى إفرازات التقدم المعرفي الهائل الحاصل هذه الأيام، والثورات العلمية المستمرة في تكنولوجيا التواصل والاتصالات السريعة وتكنولوجيا المعلومات، إذ بات ما يحدث _مثلًا_ في غزة له ارتدادات سريعة في الضفة وداخل أراضي الـ(48)...

 

وما يحدث في مصر يؤثر مباشرة في فلسطين، وما يحدث في ميانمار يمس ويحرج جميع الدول الإسلامية، هذا الإيقاع السريع في نقل المشاهد وما يحدث في أثناء الصراعات والأزمات اختلف عن العقود السابقة، إذ لم تكن تلك التكنولوجيا حاضرة عندما ارتكبت مذابح (سربرنيتسيا) ضمن مسلسل التطهير العرقي في البوسنة والهرسك عام 1995م، والجرائم التي ارتكبها الصرب والجبل الأسود ضد مسلمي أوروبا الشرقية من الألبان وسكان كوسوفو، أو الجرائم التي ارتكبها القائد العسكري التشيلي في أمريكا اللاتينية (أوغسطو بيونشيه) المدعوم من الولايات المتحدة عام 1973م، عندما انقلب على الرئيس اليساري المنتخب ديمقراطيًّا "سيلفادور الليندي"، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، فمثل تلك الأحداث لن تتكرر، وقد اختلف الزمان كثيرًا.

 

ختامًا: إن وقوع حوادث اختطاف لثورات مرة أخرى بفعل قوى الدولة العميقة وأركانها ليس نهاية المشهد، وهو حدث عَرَضي وطبيعي في جدلية الثورات التي تتضمن شدًّا وجذبًا من القوى المتصارعة على السلطة، إذ مع بداية الثورات التي لم تكن لها قيادة موحدة تخلص من رأس النظام الشمولي الفاسد، ولم يتخلص من الجسد، بدعوى الاحتكام لآليات الديمقراطية وللقوانين المدنية، مع أن الثورة كان من المفترض أن يتبعها محاكم ثورية؛ لكي تتخلص من أجزاء هذا الجسد الذي يتمثل في قوى الدولة العميقة، ولكن في النهاية إن فرحة أنصار الدولة العميقة الخاطفين للدولة في الأغلب لا تدوم كثيرًا.

 

إن الشعوب لن تلبث وقتًا كثيرًا لاسترجاع حقها في التمثيل السياسي، والعودة إلى الحكم، أو _على الأقل_ المشاركة بثقلها التمثيلي في أقرب فرصة ممكنة لعملية انتخابات نزيهة، وذلك لاسترجاع قيم الثورة التي تتطابق فيها الإرادة الشعبية تمامًا والقيم السياسية الخارجية والمواقف والتوجهات الأخلاقية التي تفرض عليها تبني مفهوم حسن الجوار، ولعب دور إقليمي فاعل يميز الصديق من العدو، بعيدًا عن التجاذبات الدولية، والتدخل الغربي الذي بات يلعب على المتناقضات، محاولًا تحقيق أقصى استفادة ممكنة، غير عابئ بعدد الضحايا التي تسقط في معارك الثورة والثورة المضادة.