الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:38 م

مقالات وآراء

أين يتم التفكير؟

حجم الخط
د.خالص جلبي

من المؤسف أن ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى ضاعت أخباره بين سطور التاريخ، وفي الوقت الراهن بدأوا يعيدون الاعتبار له أنه كان من السباقين، كما هو الحال بين ابن بطوطة وماركو بولو.

 

لقد قرأت بحثاً مثيراً في مجلة ألمانية (PM) قالت عن ماركو بولو إنه لم ير سور الصين وكل نقولاته كانت من ابن بطوطة، الذي كان أفضل من سافر وأرّخ وقطع المسافات وأضنى عمره في ثلاث رحلات لم يفعلها أحد من قبله زادت عن نصف قرن.

 

والكشوفات العلمية هي في حالة تراكمية تنمو بالحذف والإضافة فهذا قانون أساسي، والطب لم ينمُ مثلاً إلا بهذه الطريقة؛ فمسح أباطيل كثيرة ورسّخ حقائق تنمو دون توقف، مثل النزول إلى مستوى الأنسجة بعد الأعضاء، حيث عرفنا مثلاً أن الجهاز الهضمي مكون من مجموعة من الأعضاء بدءاً من الغدد اللعابية ومروراً بالمعدة وانتهاء بالكولونات، وكل عضو مكون من شبكات من الأنسجة. والمعدة يتكون جدارها من أربع طبقات من الأنسجة. وفي النسيج الداخلي غدد بالملايين لإفراز حمض كلور الماء؛ فإذا نزلنا من مستوى الأنسجة وصلنا إلى عمل عدد مرعب من الخلايا بالمليارات؛ فإذا نزلنا إلى مستوى الخلية الواحدة تبيّن أنها جهاز في غاية التعقيد؛ فإذا دخلنا النواة في الخلية وقفنا مذهولين أمام تركيب الحمض النووي من ثلاث مليارات حرف أي حمض نووي في نواة كل خلية من سبعين مليون مليون خلية تتوزع في 210 أنواع من الأنسجة، (والله خلقكم وما تعملون).

 

ومن أشدها تعقيداً وما زال مكانة الدماغ وعمل القلب، ونحن نعرف اليوم أن مركز التفكير أو على الأقل المكان الذي تمر عبره العمليات الذهنية هي الخلايا العصبية، ولكن على نحو مجهول.

ومن أفظع الأغلاط التي وقع فيها أرسطو اعتبار القلب مكان التفكير، وأن الدم يتصفَّى بمروره بالكبد، ونحن نعرف حالياً أن مصافي البدن أكثر من واحدة؛ فمصافي الدم من غاز الفحم ومنحه الأوكسجين هي الرئتان، ومصافي الدم مما تكدر فيه من نفايات هي الكلية، وعلى مدار الساعة بأفضل من أي مصلحة تنظيف في العالم، وبمقدار 1800 ليتر من الدم كل 24 ساعة. وفي الخطأ نفسه وقع جالينوس عن موضوع الدماغ والقلب، ولكن يبدو أن أبوقراط اليوناني هو أول من انتبه إلى أن الأحاسيس والمشاعر والذاكرة والذكاء وكل الفعاليات العقلية مركزها الدماغ.