الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:19 م

مقالات وآراء

جروح تلتئم وأخرى تتقيح

حجم الخط
د.يوسف رزقة

في مصر وخارجها ينتظرون معركة الدستور في 14/1/2014، بيد أن مؤشرات الجمعة 3/1/2014 بدت دامية، وعنيفة. أعداد القتلى بلغت العشرين، والجرحى بالعشرات، واعتقل أكثر من مائة، وحرقت أكثر من سيارة عسكرية.

 

التحالف لدعم الشرعية أطلق على العام الجديد عام ( الخلاص)، والسلطات الحاكمة تهدد بالقوة كل من يعطل معركة الدستور، ويبدو أن مظاهرات اليوم كانت حاشدة وواسعة الانتشار، وفيها قدر من التحدي والمواجهة غير المسبوقة في الأسابيع الماضية.

 

يكاد يجمع المراقبون على توقف الحياة الطبيعية في مصر، إضافة إلى توقف الحياة الاقتصادية، وتراجعها، وتمزق مفهوم الديمقراطية، والحياة الحزبية، ونمو حالة الكراهية المتبادلة، وانتشار البلطجة والفلتان الأمني، مع اقتراب الدولة من الإفلاس، لنقص المداولات وتراجع في الدعم المالي الخارجي. والأهم من ذلك أنه لا حديث عن حلول سياسية، أو حلول وسط. حيث لا تراجع فيما يبدو عن الحلول الأمنية، حتى مع ضمانات السلامة، إذ ترى السلطات أن الضمانة الوحيدة لها هي البقاء في الحكم بسبب الدماء الكثيرة التي جرت في النصف الثاني من العام 2013.

 

في الدولة العبرية مراقبة كثيفة للمشهد المصري، في مستوياته المختلفة، ويوميًا تقوم الجهات الدبلوماسية، ومراكز الأبحاث المتخصصة بتقديم ( تقرير تقدير موقف ) لأصحاب القرار، حيث نلحظ في لغتهم قلقًا متزايدًا، وخوفًا من المستقبل. ومن هذه اللغة ما ورد على لسان أحد الحاخامات ( بأن مصر ستهلك جوعًا، وأن المصريين سيأكل بعضهم بعضًا؟!).

 

ما يقوله الحاخام ربما يعبر فيه عما يتمناه هو، فمصر المحروسة لن يخذلها الله سبحانه، ولكن الحاخام تجرأ على قوله هذا من مشاهد اقتحام البلطجية والغوغاء لبعض المحلات التجارية الكبيرة ونهب ما فيها بحجة أنها ملك للإخوان، بعيد إعلان الحكومة عن الإخوان منظمة إرهابية. كان يمكن للسلطات ضبط الشارع ومنع العدوان على المحال التجارية أيًا كان صاحبها، ولكنها تركت الحبل على الغارب، لأنها أرادت أن تستعدي جزءًا من الشعب على جزء آخر، وتعطي مضمون قرارها زخمًا شعبيًا إعلاميًا، تعلن من خلاله أن الشعب يكره الإخوان.

 

إن تمزق النسيج الاجتماعي في مصر هو من أخطر ما تواجهه مصر، فجروح السياسة قد تلتئم في أقرب الآجال عند تبدل الحالة السياسية، ولكن الجروح الاجتماعية تبقى غائرة، ومتقيحة، ولا تشفى منها الشعوب والأحزاب إلا بعد عقود ممتدة.

 

إن الأكثر إيلامًا في المشهد المصري لعام 2013 يكمن في تمزق النسيج المجتمعي، وفي غياب السلم الاجتماعي، وهي حالة مقلقة في مجتمع عاطفي كالمجتمع المصري الذي لا يتسامح مع الدماء، كما لا يتسامح مع العرض. أنبه هنا إلى خطورة ما يحدث للتركيبة البنيوية للمجتمع، لأمرين: الأول أن كثيرين يحسبون الأخطار من خلال الأرقام، وأعداد القتلى والجرحى والمعتقلين، وإحصاءات المال، ويغفلون عن أخطار تهتك بنيوية المجتمع الاجتماعية.

 

والثاني: أنني كفلسطيني عايشت هذا الخطر المجتمعي البنيوي في الأردن، وفي لبنان، وفي سوريا وفي فلسطين، ولمّا نتعافى منه رغم السنين التي مرت، ثم ها نحن نعاني مشهدًا جديدًا منه من خلال ما تبثة السلطات أو وسائل الإعلام في مصر من كراهية للفلسطيني، وبالذات لحركة حماس، بحجج كاذبة دون أن تنتبه إلى خطورة ما تقول وما تفعل.