الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 02:48 م

مقالات وآراء

طرق الانتحار

حجم الخط
د. خالص جلبي

طرق الانتحار تختلف فمنها الواضح للعيان، ومنها الغامض، ومنها الخفي يكاد لا يتفطن لها الآحاد من الخليقة؛ فالواضح هو من رمى نفسه من شاهق، أو قطع شريانه بنصل حاد، أو تجرع سم السيانيد فشهق وانتفخ، أو ضرب رأسه بطلق ناري، أو علق رقبته بجورب. ولكن غير الواضح هو من دخل العناية المشددة على وجه السرعة بسبب حماقة التدخين، وهو في سكرات الموت والملائكة باسطو أيديهم يقولون أخرجوا أنفسكم. وأعرف سيدة فاضلة أرسلت لي تروي أن زوجها رسا مصيره بين العناية المشددة وجراحي القلب، وبعد تصوير شرايين القلب تبين انسداد معظمها وهو مازال في منتصف عمره.

 

ولكن الانتحار الأشد خفاءً هو من ينتحر بالمسبحة في حلقات الصوفيين عندما ينسحب من الحياة، أو يدخل جماعات الحش والتحشيش وتناول المخدرات فهو لون عجيب من الانتحار. وكذلك من ينسحب من العمل الاجتماعي فهو موجود بيولوجياً ولكنه عقلياً يصبح كائنا غير اجتماعي. والمجتمعات التي يعيش فيها المرء لنفسه هي أقرب إلى المصحات النفسية منها إلى المجتمعات. وخبرتي في المدخنين سيئة فلا يترك أحدهم دخانه في العادة إلا قريباً من الموت، كما لو دخل العناية المشددة، أو أصيب باحتشاء قلبي فشهق، أو تعرض لانسداد شرياني حاد، انتهى إلى بتر الطرف.

 

ونعرف من قصة آينشتاين الفيزيائي الشهير، وكذلك عالم النفس فرويد، والمصلح المشهور جمال الدين الأفغاني، وكان الثلاثة من جماعة المدخنين؛ فأما آينشتاين فانتهى بأم دم أبهرية بطنية (أنورزما) قضت عليه، وأما الأفغاني فالتهم السرطان فكه فقضى عليه وهو نزيل عند السلطان العثماني عبدالحميد في أواخر أيامه، وأما فرويد فكان أفضل حظاً؛ فقد دمر السرطان حنجرته وفكه فدخل قريبا من ثلاثين عملية من خلف التنباك اللعين فنجا إلى حين، وقضى نحبه في النهاية على يد الدخان.

 

فعلاً إن حماقة الإنسان ليس لها حدود حتى مع العلماء. وكان الإنسان أكثر شيء جدلا. وأعرف من الجراحين والأطباء وخاصة جراحي الأوعية الدموية أنهم يشترطون على مريضهم المصاب بانسداد شرياني أنهم لن يلمسوه ويعالجوه قبل أن يقسم الأيمان المغلظة أن لا عودة إلى سيرته الأولى، وأنه طلق الدخان ثلاثاً في بينونة كبرى لا عودة منها. ولكن الأعجب أنك تجد فريقاً منهم يتضاحكون فيما بينهم ويتغامزون، وهم بعبق الدخان سابحون، بل ويوزع بعضٌ ممن اجتمعت بهم على بعض الدخان، وهم يقولون تناول جرعة من الترينتال أي المادة المنشطة للدوران.

(كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون).