الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 07:24 م

مقالات وآراء

حسن أبو حشيش

وكيل مساعد وزارة الإعلام
عدد مقالات الكاتب [231 ]

مرج الزهور..حكاية الصمود المنسية

حجم الخط
د. حسن ابو حشيش

في 17-12-1992م كانت فلسطين عامة وحركة حماس خاصة على موعد مع حدث مفصلي كان له ما بعده , إنه القرار الإرهابي الصهيوني بإبعاد أكثر من 417 مواطنا فلسطينيا الغالبية العظمى منهم ينتمون لحركة حماس والبقية ينتمون لحركة الجهاد الإسلامي . ونذكر للتاريخ أن قرار الإبعاد جاء بعد عملية نفذتها حماس في ذكرى انطلاقتها السنوية وهي خطف مقاتل صهيوني لتبادله بأسرى فلسطينيين. ما ميز الحدث هو أن جزءا كبيرا من المبعدين هم قادة كبار , ومثلوا كل محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة . لستُ مبعدا , ولكن أذكر الحدث كفلق الصبح , فهو جاء في يوم عاصف ممطر ومثلج على فلسطين , وكنا في مخيم الشاطئ تحت قرار الاحتلال بمنع التجوال . علم الناس بالإبعاد ربما قبل أن يعرف المبعدون وجهتهم وهم محاصرون في ناقلات لساعات طويلة . قرار خلق حالة من التحدي لدى شباب الانتفاضة , ورفع وتيرة الإصرار على استكمال الطريق , وكنا نسمع قول الكثير من المواطنين :" كلنا حماس " .

 

كان الإبعاد فتحا لحركة حماس في الداخل , فزادت شعبيتها , وفرزت القيادة السرية لحماس قيادات جديدة في كل التخصصات , ودخل اسم حماس وفعلها في كل بيت من بيوت الشعب الفلسطيني في الداخل , وأذكر أنه في عيد الأضحى الأول بعد قرار الإبعاد تسلمت الجمعيات الاسلامية أكبر كمية أضاحٍ في تاريخ عملها , وتم توزيع الأضاحي على كل بيت من بيوت مخيم الشاطئ حيث أسكن وهذا ينسحب على الكل الفلسطيني... وكان الإبعاد فتحا لحركة حماس في الخارج , فلقد جمع كل القيادات في الداخل في مكان واحد , وباتوا محط أنظار العالم فزارتهم وفود من كل التيارات الإسلامية والعربية والعالمية , ومنهم قادة حماس في الخارج , ليتم بحث ونقاش وتطوير العمل الحركي والوطني , وترتيب الكثير من الأوراق ,وتحولت من المحلية للعالمية , ودخل خبر حماس وفلسطين في كل بيت مدر وبيت وبر , وفي كل بيت عربي وبيت أعجمي , وبأن اسمها في كل وسائل الإعلام العالمية قبل العربية .

 

لقد ساهم الإبعاد في تغيير الصورة النمطية السيئة التي زرعتها بعض الفرق الفلسطينية في الوسط اللبناني , حيث عانى من ذلك المبعدون في البداية , ورفض القرويون الشيعة والسنة والدروز التعامل معهم مستحضرين التصرفات المسيئة السابقة لغيرهم..لكن رويدا رويدا اكتشف الشعب اللبناني أن لفلسطين وجها آخر هو الأصلي والحقيقي , وجه طاهر ونظيف ومقاوم وأخلاقي , فكان الوفاق والتعاون فتحولت الصورة النمطية لصورة ذهنية إيجابية .

 

كما كان قرار القيادة الحكيمة على لسان القائد التاريخي الشيخ الفاضل عبد الفتاح دخان: (عضوا على الصخور ولن ندخل لبنان أو نترك مكاننا إلا نحو العودة ... النقل بالمعنى ) له الأثر الكبير في صمود المُبعدين في مرج الزهور ,وإجبار العالم والاحتلال على تطبيق قرار الامم المتحدة 779 القاضي بعودة المبعدين وقد عادوا على دفعتين بينهما ثلاثة شهور .

 

محطة مرج الزهور من المحطات الفاصلة في تاريخ المُقاومة الفلسطينية , وفي تاريخ حركتي حماس والجهاد الإسلامي , ولها بعد الله الفضل في الذيوع والانتشار والتعمق في الحركة الوطنية والحركة السياسية العالمية..لذا نجد من الأهمية أن تُسجل وتُخلد, وتُوثق , وتُدرس , ويتم تداولها للأجيال كي يعرفوا صنيع قادتهم وآبائهم وإخوانهم , ويُبنى عليها نحو التطوير . أقول ذلك لأنني أرى أنها محطة منسية , وغير مُهتم بها , وقد تضيع وهي في صدور القادة الذين قضى جزء منهم نحبه والآخر ينتظر. كل التحية لمن رسم الطريق وسجل التاريخ . وسط ثلوج وجبال مرج الزهور على الحدود الشمالية بين فلسطين ولبنان .