رحل مانديلا الإنسان، والمناضل، والرئيس، عن (٩٥) عاما بعد أن ضرب مثلا في الزعامة، وقدم نموذجًا في الإنسانية. الرجل اكتفى من الرئاسة بأربع سنوات بعد خروجه من السجن، ولو شاء أن يحكم أربعًا أخرى بحسب قوانين جنوب أفريقا لأمكنه ذلك بفوز ساحق في الانتخابات، ولكنه زهد فيما هو حقه بالقانون، ليعطي شعبه والشعوب الأخرى درسًا في السياسة والزعامة.
لقد احتفت وسائل الإعلام بوفاة مانديلا وبسيرته، وهو احتفاء يستحقه الراحل، وتستحقة دولة جنوب أفريقا التي ضربت مثلا في النضال ضد التفرقة العنصرية على أساس اللون والعرق، وضربت مثلا في التسامح مع البيض بعد انتصار السود وتسلمهم الحكم. لقد قاد مانديلا ما يسمى في القانون بالعدالة الانتقالية، والتي قامت عندهم على قاعدتي ( المصارحة، والمصالحة). لقد تقدم الرجل الأبيض باعترافاته كاملة عن جرائمه حين كان في الحكم، وطلب من ضحيته، وهو هنا الرجل الأسود قبول اعتذاره، ومسامحته، وقد كان. ويقال إن مئات الآلاف شاركوا في هذه العملية الطويلة قررها مانديلا بديلًا عن القصاص، والانتقام.
لقد سعدت بوسائل الإعلام العربية التي احتفت بالمعاني الإنسانية في سيرة الرجل الحافلة بالخير والعطاء الإنساني، فجنوب أفريقيا دولة تستحق الاحترام إذ أنها من أكثر الدول إحساسًا بمعاناة شعبنا في فلسطين، وهي دولة تكاد أن تنفرد بتمثيل نبض أفريقيا، ونبض الإنسانية. غير أنني عتبت على الإعلام العربي حصره مفهوم المصارحة والمصالحة بجنوب أفريقيا وبمانديلا، ففي العالم العربي ضرب الرئيس محمد مرسي مثلا إنسانيًا فذًا في تنازله عن حقه، ومسامحته لمن اعتقلوه يومًا وعذبوه عذابًا شديدًا. ومثل ذلك فعل الإخوان حيث تركوا أمر من ظلمهم عشرات السنين لله عز وجل، ولم يتقدم أحد منه بشكوى ضد من أساؤوا وظلموا، ولو فعلوا ما لامهم أحد، غير أن العفو والصفح الجميل، كان لهم عزما ومنهجًا.
وأعتب على وسائل الإعلام التي لم تلتفت جيدًا في هذه الحالة إلى التذكير بالسنة الأولى والمثل الأعلى في التاريخ البشري، حيث ضرب لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم المثل، والنموذج في التسامح والعفو الكريم، والصفح الجميل، حين فتح مكة، وخضعت له الرقاب، فأطلق سراحها على ما كان منها من ظلم، وقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء.
نعم ربما شعر بعض رجال الإعلام بالتباس في نموذج محمد مرسي، والإخوان، بسبب الظرف السياسي الملتبس، ولكن هذا الشعور الملتبس لا وجود له في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ومن حق الإسلام على إعلامنا أن يؤصل للمفاهيم الإنسانية بردها إلى أصولها في السيرة النبوية وفي الشريعة الإسلامية. نعم لم يكن مانديلا مسلمًا عقيدة، ولم يكن الأول، ولكنه طبق تعاليم الإسلام في باب العفو والتسامح، من خلال ما عرف في باب العدالة الانتقالية بالمصارحة والمصالحة، ومن ثم استحق الذكر الكريم كلما ذكر الناس هذا الخلق الجميل.
الإسلام مبادئ وتعاليم وأخلاق وسلوك، لا يحتكرها المسلم دون غيره، فالإسلام جاء للكافة، ولكل الحق في أن يأخذ من تعاليمه، حتى وإن لم يتبع المسلمين عقيدة وشريعة.
