سأل سائل قد عمل مانديلا لدنياه فماذا عمل لآخرته؟!..
لسنا معنيين بإقحام أنفسنا في محاكمة مصير أحد في العالم الآخر بعد الموت سواءً كان هذا الواحد مسلماً أو غير مسلم فنحن لسنا متأكدين أيضاً كيف سيحاسبنا الله فذلك عالم غيب لم نزره بعد والجدل في تفاصيل مصائر الناس فيه رجم بالغيب وتأل على الله وهو لا يفيد في حياتنا ولا يبنى عليه عمل..
لكن ما يعنينا هو أن نفهم المعايير العامة التي يحاسب الله الناس بها فتطمئن قلوبنا إلى رحمة الله تعالى وعدله المطلق وحكمته فيزيد إيماننا ونستطيع تقديم خطاب ديني إنساني قادر على إقناع العالمين بعدالته وسمو مبادئه..
أما أنه عمل لدنياه فهذا خلط شائن لأن مفهوم العمل للدنيا يعني أن يعمل الإنسان لشهواته وأهوائه وأن تستغرقه أنانياته الخاصة ويقضي حياته لاهثاً وراء المتع والملذات غير عابئ بمثل عليا ولا بقيم أخلاقية، لكن الجهاد في سبيل الحق والعدل والحرية ليس عملاً للدنيا لأن الله هو الحق العدل وحيثما كان العدل والحق كان شرع الله..
ليس لدي رؤية محددة مع الأسف لكن لدي إشارات كافية في كتاب الله ليطمئن قلبي إليها، منها مثلاً قول الله تعالى عن أهل الكتاب: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه"، وقوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
في الآية الأخيرة فإن شروط الخلاص الأخروي تتمثل في ركنين رئيسين هما: الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، أما الإيمان بالله واليوم الآخر فهو فطري موجود في الأمم والشعوب والثقافات المختلفة وهو يتجاوز خصوصيتنا التشريعية كمسلمين لأن الآية لم تذكر من ضمن الشروط أن يكون من أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- وفي آية أخرى: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً"، ففي كل الأمم هناك من يؤمن بالله وباليوم الآخر بفطرته وببقية ما في ثقافة مجتمعه من رسالات الأنبياء، أما العمل الصالح فهي كلمة واسعة تشمل كل أوجه البر والخير في هذه الحياة وهل هناك عمل صالح أعظم من أن تحرر شعباً كاملاً من الظلم والاستعلاء وأن تخلص الناس من اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله عبر التفريق العنصري، فهذا من أعظم الأعمال الصالحة بل إن هذا هو جوهر كلمة التوحيد، والله عز وجل لا يريد من عباده أعمالاً تعود عليه بالنفع الخاص بل إن الأعمال الصالحة هي التي ترجع على الناس أنفسهم بالخير وكلما كان العمل الصالح أكثر نفعاً للبشرية كلما كان خيراً وأبقى: "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"..
ما هي الأعمال الصالحة التي يعملها فريق من المسلمين القاعدين ويتعالون على الخلق بها ويظنون أن الله سيحابيهم على بقية خلقه ويدخلهم الجنة وحدهم بسبب هذه الأعمال، بينما يكب الآخرين في النار دون أن ينفعهم فعل خير ولا عمل صالح؟؟
ثم إننا حين نقول إن هؤلاء يعملون لدنياهم وليس لآخرتهم هل يعني هذا أن أكثر المسلمين متفانون في طلب الآخرة قد طلقوا الدنيا ثلاثاً ونبذوها وراء ظهورهم؟؟
ما أكثر ما نعمل لدنيانا وما أقل ما نعمل لآخرتنا وهذا حال أكثر الخلق بمن فيهم المسلمون وقليل هم الذين يعملون للآخرة فهل يحق لنا وهذه حالنا أن نتهم من يفنون سنوات أعمارهم في سبيل الحق والحرية والعدل أنهم يعملون للدنيا؟ إن الحرية والعدل والحق لا تنتمي لهذه الدنيا بحال من الأحوال بل هي أشواق روحية لما بعد هذه الحياة الدنيا..
تنطلق هذه الأسئلة وما أكثرها من أفكار لا شعورية تحكمنا وهي أن رحمة الله خاصة بالمسلمين في الآخرة وأن كل من هم خارج دائرتنا الأيديولوجية هالكون سيكبون على وجوههم في النار، وهو ذات المرض الذي أصاب من سبقنا من أهل الكتاب حين قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ثم يقول القرآن: "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم تشابهت قلوبهم" فمن هم هؤلاء الذين لا يعلمون الذين يقولون نفس أقوال اليهود والنصارى بأن رحمة الله وجنته خاصة بهم وليست لأحد من الخلق دونهم: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" "بل أنتم بشر ممن خلق"
أظن أن رحمة الله تعالى أوسع كثيراً مما نظن نحن المسلمين وأن الله هو رب العالمين فسيعامل خلقه كلهم بمعيار واحد قوامه العدل والقسط والرحمة والحكمة فلنشغل أنفسنا بنشر الحق والعدل والخير في هذا العالم بدل أن نحشر أنوفنا فيما لا علم لنا به..
والله أعلم..


