يقال إن أميركا لا تعرف غير النجاح. ما يقال في حق أميركا لا يقال في حق غيرها. ربما لأن بعضنا مصاب بعقدة التفوق الأميركي، وليس غريبًا أن يكون جُل هؤلاء القائلين من العالم العربي، الذي يصح فيه قولهم إنه عالم لا يعرف غير الفشل. نعم النظام العربي المعاصر لا يزيد عن كتلة من الفشل المتراكم في عين أبنائه، بينما أميركا نظام ناجح في عين العرب دائماً.
لا مجال لإحداث مقارنة بين أميركا والعرب كأنظمة لأن النتائج معلومة قبل أن نبدأ، ولكن من الخطأ أن ننطلق دائماً من عقدة النقص، أو من واقع الهزيمة والتخلف، لنمنح العصمة لأميركا، ولنبقى نحن في قيد الواقع المنكوس.
أميركا تنجح وتفشل، مثلما تنجح وتفشل غيرها من الدول. ربما نجحت أميركا في ملف كيمياوي سوريا، ولكن ملف النجاح هنا ملتبس بشكل أو بآخر في المنطقة، فهناك من ضحك، وهناك من غضب. والأمر يتكرر في الملف الإيراني، والفارق في الموقفين ينحصر في (إسرائيل) التي ضحكت كثيرًا في الملف السوري، وغضبت كثيرًا من الملف الإيراني.
ربما قال بعض العرب إن كيري لا يعرف الفشل، وأدار الملفين بنجاح، وعليه نتوقع نجاحه في الملف الفلسطيني أيضاً. ومثل هذا القول قيل قديمًا في هنري كيسنجر، وسبب هذه الأقوال هو ميل العربي إلى شخصنة النجاح والفشل، فنحن كعرب أسرى قال الرئيس، وأنشأ الرئيس، وانتصر الرئيس، وعطس الرئيس، والقول ما قال الرئيس.
أميركا خاضت حربين في العراق وأفغانستان، ونجحت في احتلال البلدين، ثم نجحت في تدميرهما، ولم تنجح في القضاء على ما تسميه الإرهاب، ولا أعتقد أن المفكرين في أميركا يجمعون على نجاح دولتهم في هذين الملفين، ولأن المفكرين على حق في نفي النجاح وجدنا أوباما مترددا في القرارات العسكرية الساخنة، وهو تردد ينفي مقولة ( أميركا لا تعرف غير النجاح) ، بل هو يقول إن أميركا كغيرها، وأنها ترجع القهقرى على سنة الاتحاد السوفييتي في تراجعه قبل سنين.
أميركا إمبراطورية أنهت مرحلة الشباب، وهي داخلة في المرحلة التالية بسرعة الاتحاد السوفييتي في زمن غوربتشوف، لأن شباب الدول يرتبط ارتباطًا جدليًا بالعدل، وإدارة أوباما فقدت بوصلة العدل بعد أن فقدها الحزب الجمهوري. أميركا اليوم بلا عدل، كما هي بلا أخلاق، فلا يستطيع أميركي محترم أن يحدث العالم عن أخلاق دولته في فلسطين أو سوريا أو مصر أو العراق أو أفغانستان، أو باكستان، ويمكنه أن يتحدث بإسهاب عن كراهية شعوب العالم لأميركا.
أميركا لن تنجح في الملف الفلسطيني إلا إذا قررت (إسرائيل) هذا النجاح، والأخيرة لن تقرر نجاح المفاوضات إلا إذا حصلت من الفلسطيني على كل ما تريد. وعليه فإن مفتاح النجاح ليس في يد وشخص كيري، بل هو في جيب المصالح الإسرائيلية، وفي قبعة التنازلات الفلسطينية. السحر ليس في قبعة الحاوي أو الساحر، وإنما هو في عين المتفرج وما بها من غشاوة.
أمر نجاح المفاوضات وفشلها خاضع لموازين القوة، ومن يصرخ أولًا عليه أن يتنازل، ولأن بعضنا يتوقع أن يصرخ المفاوض الفلسطيني أولا، ذهب إلى تغطية هذا العيب بالقول إن كيري أو أميركا لا تعرف الفشل، وكأن أميركا قدر اختص العرب به ليبرروا تنازلاتهم، ويغطوا به عيوب قادتهم ونظامهم السياسي.
