الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 08:59 ص

مقالات وآراء

تعقيدات الموقف الأردني من الإتفاق الإيراني

حجم الخط
شاكر الجوهري

الإتفاق النووي الإيراني ـ الغربي لم يكن مفاجئا تماما لعاصمتين عربيتين على الأقل هما الرياض وعمّان.

 

الرياض بحكم الحرص الأميركي على تقليص حجم الإستفزاز الذي يمكن أن يمثله هذا الإتفاق لها إلى أدنى سقف ممكن.

 

وعمّان بحكم التنسيق الإستراتيجي الذي يربطها مع الرياض، وإطلالتها على التشدد الفرنسي الذي سبق التوافق الغربي النهائي على هذا الإتفاق.

 

ومع ذلك، فإن هذا الإتفاق جعل عمّان تقف في حالة حيرة وتشتت في النظرة إلى مصالحها الخاصة، تتمثل أساسا في:

 

أولا: عدم الرغبة في الإقدام على إختيار صعب بين الرياض وواشنطن، لأسباب سنتناولها لاحقا.

 

ثانيا: استحالة الإختيار بين المكاسب التي يحققها الإتفاق للأردن، والأخطار المحدقة به وبأمنه الإقليمي جراء ذات الإتفاق..!

 

فيما يتعلق بصعوبة الإختيار بين الرياض وواشنطن، فإن الأمر يتمثل في النقاط التالية:

 

الأولى:  ترى عمّان أن أهم انجازاتها على صعيد السياسة الخارجية في عهد الملك عبد الله الثاني، والتي لا يمكنها التفريط بها:

 

• طي صفحة الخلاف مع السعودية، وبناء تفاهم استراتيجي معها.

 

• اقامة علاقة مباشرة مع دوائر صناعة القرار الأميركي في واشنطن لا تمر عبر اللوبي اليهودي.

 

يضاف إلى ذلك أن الرياض وواشنطن هما المانحان الرئيسان للموازنة العامة الأردنية التي تعاني من عجوزات متفاقمة عاما بعد عام، وهي موازنة لا تحتمل تأخر دفع المعونات السعودية والأميركية (واستطرادا الخليجية)، فما بالك بإمكانية تقليصها أو حجبها..!

 

الثانية: يضاف إلى ما سبق أن الأردن كان أول من اشار بوضوح إلى خطر "الهلال الشيعي" في المنطقة، وقد كان الملك عبد الله الثاني أول من استخدم هذا المصطلح، الذي أصبح يضم الآن إلى جانب إيران كلا من سوريا، العراق، وحزب الله.. بنفوذه الطاغي داخل لبنان.. والإمتدادات الإثنية لهذا الحلف غير المعلن داخل عدد من الدول العربية.

 

بل هنالك من ينظر إلى مناطق النفوذ الإيراني الآن باعتبارها تمتد من غرب افغانستان، إلى شرق البحر المتوسط..!

 

الثالثة: هذا النفوذ الإيراني واسع النطاق يشكل تهديدا لأمن الدول الخليجية.. الشريك الإستراتيجي للأردن.. سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتجاريا.. وهو أمر يلقي تبعات كبيرة للغاية على الأردن.. خاصة في المجال الأمني.

 

الرابعة: لهذا، فقد كان الأردن يدعو على الدوام إلى حل مشكلة الملف النووي الإيراني سلميا.. غير أنه لم يكن ليخطر له على باله أن يأتي الحل السلمي على النحو الذي ظهر به الإتفاق الأخير..!

 

وفي مناسبات عديدة، حذر الملك عبدالله الثاني من أن اللجوء إلى القوة مع إيران يشكل كارثة على المنطقة.

 

وقد تزامن إعلان الإتفاق مع إعلان ناصر جودة وزير الخارجية الأردني أنه سيشارك في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي المزمع عقده الإربعاء، إلى جانب نظيره المغربي.

 

الخامسة: وجود تباين عميق في المواقف بين الرياض وواشنطن حيال قضايا المنطقة الساخنة، وضع تحالف المعتدلين بنسخته الجديدة أمام اختبار صعب لم يكن بالحسبان.

 

أما بخصوص استحالة الإختيار بين المكاسب التي يحققها الإتفاق للأردن، والأخطار المحدقة به وبأمنه الإقليمي جراء ذات الإتفاق، فإنها تتمثل في:

 

أولا: أن الموافقة الأميركية على السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة لا تزيد عن الخمسة بالمئة، تقدم للأردن ورقة قوية في تعامله مع الرفض الأميركي السماح له بأي نسبة من تخصيب اليورانيوم.

 

وقد اتخذ الأردن طوال السنوات الماضية موقفا صلبا رافضا للإعتراضات الأميركية.. خاصة الملك عبد الله الثاني الذي قدم للموقف الحكومي بالخصوص دعما غير متناهي حال دون خسارة الأردن هذه الورقة الهامة.

 

وأدى التصلب الأردني إلى تأجيل توقيع الإتفاقية النووية مع الولايات المتحدة منذ عام 2007 وحتى الآن.

 

الأردن الآن من حقه أن يطالب واشنطن بسحب رفضها السماح له بتخصيب اليورانيوم بنسبة اربعة بالمئة.. أي أقل مما سمحت به لإيران..!

 

مهم هنا الإشارة إلى أنه سبق لأميركا أن استثنت فيتنام، وسمحت لها بالتخصيب.

 

حين فاتح الأردن واشنطن بذلك في حينه، جاءه الرد أن السماح لفيتنام بالتخصيب   كان "خطوة خطأ غير محسوبة النتائج، مع استعصاء تكرارها".

 

غير أنها ها هي تتكرر الآن مع إيران، تاركة باب التخصيب للأردن مفتوحا بشكل موارب..!

 

اميركا الواثقة تماما من أن الأردن لا يفكر بتصنيع قنبلة نووية، ترى عمّان أن سبب موقفها المتشدد حيالها يتمثل في أمرين:

 

• الإعتراض الإسرائيلي على السماح للأردن بتخصيب اليورانيوم.

 

• توافق دول محتكرة للطاقة النووية على عدم السماح بدخول دول أخرى إلى هذا النادي.. خاصة وأن الأردن يحوز كميات هائلة من احتياطي اليورانيوم في صحاريه..!

 

يضاف إلى ذلك، أن الموافقة للأردن على تخصيب اليورانيوم تحقق له قيمة مضافة تعفيه من شراء يورانيوم مخصب جاهز بكلف عالية، وتوفر له مصدرا جديدا للدخل من خلال بيع الكميات الفائضة عن الحاجة من هذا اليورانيوم.

 

أي أن يحقق الأردن استقلاله الإقتصادي.. بما من شأنه أن يحرر قراره السياسي.. وهذا ما ترفضه واشنطن وتل أبيب..!!

 

ثانيا: أن مشاكل حلفاء الأردن الخليجيين، وعموم دول المشرق العربي، مع إيران، تتعدى خطر الملف النووي؛ إذ يوجد هنالك حزمة مشاكل تقلق دول الخليج العربية، ويتعين على طهران طمأنة الدول العربية والخليجية بشأنها:

 

• التدخل الإيراني في شؤون الدول الخليجية.

 

• قضية الجزر الإماراتية الثلاث.

 

• التدخل الإيراني في العراق.

 

• الدعم الإيراني للنظام السوري، واتساع النفوذ الإيراني داخل سوريا.

 

• المواجهة السعودية ـ الإيرانية داخل لبنان.

 

• التدخل الإيراني في اليمن، والدعم الذي تقدمه للتمرد الحوثي على الحدود الجنوبية للسعودية.. بل وداخل الأراضي السعودية في بعض الأحيان.

 

هذه المشاكل قد تفوق الملف النووي الإيراني خطورة.. وهي تضطر الأردن لاتخاذ مواقف متوازنة حيال الإتفاق الإيراني ـ الغربي.. تحول دون تسرعه للموافقة عليه كما هو..!

 

لذا، فقد تمت صياغة الموقف الأردني الذي عبّر عنه الدكتور محمد المومني وزير الدولة لشؤون الإعلام، والإتصال.. الناطق الرسمي بإسم الحكومة الأردنية، بلغة غاية في الدقة.

 

قال المومني:

 

"إن الاتفاق الذي توصلت إليه القوى الكبرى وإيران في جنيف خطوة أولى في الإتجاه الصحيح ينبغي البناء عليها".

 

وأضاف أن "الأردن، كما المجتمع الدولي ينتظر التفاصيل المعنية بالخطوات العملية لتطبيق الإتفاق والتوصل إلى إتفاق شامل حول البرنامج النووي الإيراني بما ينعكس على الأمن الإقليمي برمته".

 

وأعرب المومني عن "الأمل بأن يعزز الإتفاق جهود المجتمع الدولي في إحلال السلام العالمي والإقليمي والحفاظ على الأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط".

 

ودعا المجتمع الدولي "إلى النظر بصورة جدية إلى كل التحديات التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط وضرورة تكاتف الجهود لترسيخ الأمن بما يحقق ازدهار الشعوب ونمائها".

 

باختصار.. الأردن يقول إن موقفه النهائي من الإتفاق متصل بحل جميع المشاكل والأزمات المتورطة فيها اسرائيل وايران في المنطقة.. وفي المقدمة منها الحل النهائي للقضية الفلسطينية.