يسبح الوجود بين الذرة والمجرة؛ فإذا كان الفلاسفة قديماً تحيروا في مشكلة الجزء الذي لا يتجزأ، واعتُبر أساساً في التفكير الفلسفي؛ فإن تدرُّج الوجود الأكبر غاب عن إدراكهم؛ فلم يضعوا في مقابله مشكلة (الكبير الذي لا يكف عن الكبر)!
نحن نسبح في الواقع بين العالم الأكبر والعالم الأصغر، وبواسطة تطوير التلسكوب والميكروسكوب اقتحمت عين الإنسان فضاءات معرفية جديدة، فمع قدرة التطوير في الاتجاهين أخذنا نرى الأصغر فالأصغر، والأكبر فالأكبر، وبالقفز من المجهر العادي إلى المجهر الإلكتروني بدأنا نبصر (الفيروسات) بتكبير وصل إلى ما يزيد على مائة ألف مرة، ويطمح الإنسان إلى تطوير المجهر (البروتوني) ليرى الذرة عياناً، بعد أن يقفز بالتكبير إلى حوالي مليون مرة، كما تم بالقفز عبر إرسال التلسكوبات خارج الأرضية (تلسكوب هابل) أن يرى الإنسان الكون الخارجي مباشرة بعد إزالة غشاوة غلاف الكرة الأرضية الحافظ من الأشعة الضارة؛ فيرى مجرات تبعد عنا بحوالي عشرة مليارات سنة ضوئية.
كذلك كانت الموجودات على الأرض في الحجم، فأجسامنا تحتل مرة أخرى درجة في سلم الحجم بين الديناصورات ذات الأطنان الخمسين، والنملة التائهة التي تدب على الأرض، وما هي بتائهة، التي جعلت نبي الله سليمان عليه السلام يتبسم ضاحكاً من قول النملة المرتاعة، وهي تهرع صوب مساكنها، ويجعله يزداد خشوعاً وتواضعاً وعدم انتفاخ بالقوة (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي).
وإذا كانت فكرة الطيف هذه تستولي على الوجود فتشكل ظاهرة أساسية في الصوت والألوان، في الأحجام والأشكال؛ فهي تنطبق أيضاً على الروائح والمذاقات.
الروائح أيضاً لها طيف اللون السباعي، فتتشكل من سبعة أصناف أساسية كما كشف عنها العالم آمور عام 1964م، وسميت بالنظرية الفراغية الكيماوية، حيث نشعر بالروائح التي تصعد في الهواء، لتنحل في نهايات العصب الشمي، الذي ينقل ذلك إلى الدماغ الذي يفسرها وبمقادير زهيدة للغاية، لا تتجاوز خمسة أجزاء من 100 مليون في الجرام، في السنتيمتر المكعب الواحد، وشعورنا يرجع إلى انحلال المادة في شكل هندسي محدد فراغي، وهكذا نستشعر الروائح الأساسية من أتيرية وكافورية ومسكية وزهرية ونعناعية، وبقية الروائح هي مزيج الروائح الأساسية السبع بنسب مختلفة، كذلك كان الحال في إحساس اللسان بالمذاقات بين الحلو في مقدمة اللسان، والمُر في مؤخرته، والحامض والمالح في جوانبه بشبكة رهيبة من النهايات الذوقية تتجاوز الـ9000 برعم ذوقي! فلا غرابة أن منَّ الله على عباده بهذا التفضيل في الأكل (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل).


