السبت 03 يناير 2026 الساعة 02:24 م

مقالات وآراء

الترميز العميق لفكرة الأضحية

حجم الخط
د. خالص جلبي

إن فداء إسماعيل ومشروعية الأضحية إعلان ضمني للسلام العالمي، والله سبحانه وتعالى لن يأكل اللحم ولن يشرب دم الأضحية بل النية والتقوى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ).

 

إن مظاهرة الحج الكبرى هي قمة السلم في الاجتماع الإنساني؛ فليس هناك من مدينة على وجه البسيطة إلا ومنها حاج، قد جاء على ضامر بشكل أو آخر، ليس آخرها طائرة الكونكورد (سحبت من الخدمة إلى حين) وقد تكون ضامرات المستقبل الصواريخ أو القطارات المغناطيسية الطائرة (بسرعة 500 كم في الساعة) وكما يجتمع المسلم مع أخيه المسلم في حلقات تكبر بشكل متصاعد بدءاً من حلقة الحي في المسجد، ومروراً بصلاة أهل البلد الواحد معاً خارج البلدة في صلاة العيد؛ فإن الحج الأكبر هو اللقاء الكوني الأعظم، ولذا ناسبه خطاب عالمي، ومن أهم خطاباته إعلان السلام العالمي.

 

إن جوهر الحج لا يدركه كثير من المسلمين الذين يحرصون على تأديته حيث يجب أن يحقق الحد بهذه المعاني الضخمة، التي كرسها لتكون ينابيع للشحن الروحي السنوي لكل العالم الإسلامي الذي هو في غاية الضعف اليوم.

 

يجب أن نعلم أن ظاهرة الحج كانت أيضاً قبل بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن إبراهيم عليه السلام دشنها قبل أربعة آلاف سنة بل إن القرآن الكريم يشير إلى أنه أول بيت وضع للناس فوجوده منذ أمد طويل وكان (حراماً) أي «يحرم فيه قتل الإنسان».

 

ولتأكيد أهداف هذا الحج حرص الإسلام على تشريع حصانة (الأشهر الحرم) لأن الإنسان كان قبلها (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) فهذه البقعة هي مكان تجربة رائدة في محاولة لتعميمها على الجنس البشري كي يتم تحويل الكرة الأرضية إلى بحيرة سلام، وأمان وسعادة.

 

ولقد نجحت هذه التجربة في مساحتها الضيقة وصمدت عبر آلاف السنين عموماً لذا كانت مهمتها الأساسية هي شحن روح العالم كله بروح السلام والتوقف عن التضحية بالإنسان وجعله قرباناً لأي شكل من أشكال أوهام القوة لآلهة كاذبة وأصنام زائفة ودعاوى باطلة تحت شعارات لا تنتمي وطروحات لا تتوقف.