الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 02:44 م

مقالات وآراء

خطاب عباس المتناقض مهزلة سياسية ومصادرة واضحة لإرادة شعبنا الفلسطيني

حجم الخط

لقد ضحكت مرارا وأنا أشاهد محمود عباس يلقي خطابه (التاريخي) والذي لم يسبق له مثيل، وإن السبب الرئيسي الذي جعل أوداجي تتلون غيظا من خطابه البائس هو التناقض العجيب الذي تحلى به خطابه الغريب، واستغربت كذلك اعتزازه الكبير بأنه رئيس منتخب ولم يكن يعلم أنه حصل على نسبة 26% من أصوات الذين يحق لهم حق الانتخاب إباء الانتخابات الرئاسية المنفرطة وهذه النسبة بطبيعة الحال لا تعطيه التفويض الكامل للتصرف بقضايا الشعب المظلوم.

إن الخطاب المشئوم الذي ألقاه عباس جسّد جملة من المتناقضات والتي يقف الطفل الصغير في شعبنا الفلسطيني يفند هذه المتناقضات التي غلبت على خطابه ونستعرض أهم هذه المتناقضات وليس كلها، لأن المجال لا يتسع لذلك.

لابد التأكيد بداية على أن الخطاب المتناقض الذي ألقاه عباس مثّل صفعة قوية وقاصمة للأسرى والمعتقلين عامة وللوزراء والنواب المختطفين على وجه الخصوص، فهو يقول في سياق كلامه: 'بالمناسبة إن الأسرى يتحلون بالمسئولية أكثر منا'، فأقول له أرى أفعالك تناقض أقوالك، فلو أن الأسرى كذلك لما تجاهلت الوزراء والنواب المختطفين، حيث أن خطابك مثّل لهم لطمة خلعت أسنانهم يا سيادة الرئيس، إن إعلانك عن انتخابات مبكرة والمرفوض أصلا جملة وتفصيلا يعتبر تهميشا لقضيتهم، فلو أنهم يمثلون لك شيئا لكان الأولى أن تطالب بالإفراج عنهم فورا قبل الإعلان عن انتخابات مبكرة.

والغريب في الأمر كذلك أن خطاب عباس المتناقض جاء بعد اجتماع مهم جمعه مع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، فما الذي دار بين الاثنين؟ ولماذا جاءت دعوة عباس بهذا التسرع؟، إن الناظر إلى حالنا ليتأكد يقينا بأن خطاب عباس المتناقض جاء لتنفيذ أجندات خارجية، وجاء متزامنا مع دعوة كونداليزا رايس بمكافأة حرس عباس بملايين الدولارات، حيث أعلنت هذه الغادرة وزيرة الخارجية الأمريكية مساء الجمعة 15-12-2006م، عزمها توفير الدعم المالي الكبير لحرس الرئاسة الفلسطيني، وكذلك تزويده بشحنات متطورة من الأسلحة الرشاشة، وهو ما أبدت القيادة الصهيونية أيضا موافقتها عليه، وقد كانت رايس قد أكدت أنها ستطلب ملايين الدولارات من الكونغرس الأمريكي لدعم حرس عباس، مرجحة أن تجد دعما من الكونغرس لهذه الخطوة، وذلك في الوقت الذي تواصل فيه الحصار على الشعب الفلسطيني وتمنع دخول الأموال إليه، ألم يفهم أحدكم هذه الأقوال؟ أليس دعم أمريكا وإسرائيل لعباس بالمال والسلاح هو من أجل التناحر الداخلي وقتل بعضنا البعض؟ إن الأمر واضح، ولكن الجدير أن نتوحد في وجه هذا الطاغوت وفي وجه الشيطان وفي وجه أمريكا التي تعزز معاني الفرقة الداخلية وتعزز كذلك معاني التناحر والاقتتال، وليت الكل يفهم ذلك.

أما عن قضية الفلتان الأمني فقد استخدمت في الخطاب ككلمة حق يراد بها باطل، حيث أن الإيحاءات المنبعثة من خطاب عباس تشير بإصبع الاتهام صوب الحكومة وصوب حركة حماس، فمن الذي يدعم الفلتان الأمني، ومن الذي يعربد في الشوارع ومن الذي يحتل الوزارات ويطرد موظفيها، ومن الذي قتل الأطفال والأهالي، ومن الذي قمع ذوي الأسرى والمعتقلين، ومن الذي أطلق النار على المسيرة السلمية في رام الله، ومن الذي هاجم وأحرق المجلس التشريعي مرارا وتكرارا في غزة ورام الله، ومن الذي أحرق المؤسسات واعتدى على المواطنين، كل هذه التساؤلات بحاجة إلى إجابات يا سيادة الرئيس (المنتخب)، إن عمليات العربدة والفلتان الأمني والتخريب المبرمج يقودها بكل صراحة حفنة متمردة لا تريد الخير لشعبنا الفلسطيني الذي تُصادر إرادته جهارا نهارا، وإن ارتفاع وتيرة الفلتان الأمني هو خطة مبرمجة من أجل إظهار الحكومة الفلسطينية بأنها عاجزة عن حماية المواطن الفلسطيني، ولكن هذه سياسة انفضحت أمام الكبير والصغير وأمام العزيز والحقير، فالكل يعرف من هم قادة الفلتان الأمني ومن هم قادة العربدة والتخريب.

كنت أتمنى أن يفسر لي عباس المقولة التي عبر بها دحلان عن كرهه للحكومة وتحديه لها حينما قال: 'بدي أرقص الحكومة خمسة بلدي'، أظن أن هذه المقولة في قاموس عباس لها تبريراتها أيضا، كما أن الأراجيز التي تلف حوله هي الأخرى جاهزة للتبرير عن أي عمل إجرامي، حتى لو كان تحرشا جنسيا، حيث يوصف في قانونهم بالاغتيال السياسي، ولكن الشعب بات يفهم اللعبة جيدا، وبات يعرف من هو الخائن ومن هو الشريف، بات يفرّق بين الشريف والخسيس.

وإن محاولة تحميل المقاومة الباسلة مسئولية استشهاد 500 شهيد و4000 جريح جراء تمكّن المجاهدين الأبطال من اختطاف الجندي القاتل 'جلعاد شاليط' هو أسمى معاني الخسة والنذالة والانحطاط، ذلك لأن هذه المقاومة هي التي دحرت وطهّرت قطاع غزة من دنس الاحتلال الصهيوني البغيض، وهي ذاتها التي أزالت غبار العار عن وجوه الخونة والفاسقين الذين باتوا يتنكرون لحقوق وثوابت شعبهم وأمتهم وتنكروا قبل ذلك من تعاليم دينهم السمح، ومن عقيدة التوحيد الخالدة، وانخلعوا من ولائهم لشعبهم وأمتهم.

وإن الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة هي مهزلة سياسية بكل ما تحمل الكلمة من معاني وهي مصادرة واضحة لإرادة الشعب الفلسطيني وتنكر لحقوق الأهالي في اختيار من يمثلهم، كما تعتبر هذه الدعوة ترخيصا رخيصا للاحتلال بممارسة أعماله الإجرامية من سياسة التوغلات وحملات الاعتقالات بحق الوزراء والنواب والأهالي، وإذا كان الشعب هو مصدر السلطات، فأين رأي الشعب من الاتفاقيات الخائنة التي كانت توقع خلف الكواليس في عاصمة الإرهاب العالمي واشنطن؟ وأين إرادة الشعب من الاتفاقيات البائسة التي كانت توقع في مدريد وأسلو وباريس؟، هل جال في خاطركم مرة واحدة أن تعلنوا استفتاءا عاما للشعب الفلسطيني حول موافقته على الاتفاقيات التنازلية وعن التخاذل المجاني الذي كان يقدم للعدو الصهيوني على حساب مصلحة شعبنا الفلسطيني؟ وكل ذلك بات واضحا أنه من أجل تصفية القضية الفلسطينية.

وفي الموقف المخزي الذي شاهدته على شاشات التلفاز حينما رأيت حرس الرئاسة الفلسطينية يضرب الأهالي من شيوخ وشباب وأطفال ونساء في مدينة رام الله الباسلة التي أعلنت كفرها بالعلمانية الساقطة، كنت أقارن بين هذه الشجاعة التي تميز بها حرس الرئيس وهو يستقوي على الأهالي ويقمعهم؛ وبين المنظر الذي لا زال مرسوما في عيني عندما استعرض هؤلاء أجسادهم أمام قوات العدو الصهيوني وحتى لا أكون ظالما فقد استعرضوا أجسادهم ولم يتبق عليها سوى (الكلاسين) إن صح التعبير، لمصلحة من قمعت المسيرة التي خرجت تأييدا للحكومة ولحركة حماس؟ ثم ماذا لو اعتدت حماس على مسيرة لفتح ومنعتها من الاحتفال بانطلاقتها؟ كل ذلك يأتي في إطار سياسة مبرمجة من أجل قمع إرادة الشعب الفلسطيني الذي صوّت لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي أظهرت فوزا ساحقا لفكرتها الرائدة، وكل ذلك يأتي أيضا في محاولات للنيل من عزيمة الشعب الفلسطيني والتفتيت من عضد الصمود الذي يتحلى به شعبنا, ويأتي كذلك محاولة رخيصة من أجل إسقاط الإرادة الفلسطينية والعزيمة الفلسطينية والجبروت الفلسطيني، وبذلك تنكشف الديمقراطيات الكاذبة التي ينادي بها بوش وأعوانه في المنطقة برمتها.

كل التحية والتقدير والاحترام إلى وزراء الحكومة الأبطال الذين وصفهم عباس بالمهرّبين، كل التحية لهذه الأيادي النظيفة التي آثرت مصلحة شعبنا الفلسطيني على أنفسها، فخرجوا من بلادنا فلسطين مستعينين بالله، فكسروا الحصار وأدخلوا الأموال، من أجل وضع حد للهيمنة الأمريكية المتصلبة ومن أجل فضح كافة الانتهاكات الداخلية والخارجية التي تمارس ضد شعبنا الفلسطيني وضد حكومته المظفرة، من أجل ابتزاز المواقف بأساليب رخيصة.

إني أدعو الحكومة الفلسطينية بضرورة الاستمرار في عملها وكأن أمرا لم يكن، وأدعو كذلك كل الشرفاء من أبناء شعبنا الفلسطيني بالخروج عن الصمت، لقد آن الأوان أن نقول لا وألف لا لكل الأساليب الرخيصة التي تريد النيل من إرادة الشعب الفلسطيني ومن ثوابته من حقوقه، لا وألف لا لكل المناهج المبرمجة والمؤامرات التي تحاك سرا وعلانية من أجل مصادرة حقوق شعبنا الفلسطيني، ولا وألف لا للانقلاب على الشرعية الفلسطينية، ولا وألف لا لإعطاء العدو الصهيوني الذريعة بمواصلة عدوانه، ولا وألف لا لاستخدام كلمات الحق يراد بها باطل، ولا وألف لا لكل معاني التخاذل والانحطاط والتخاذل، ولا وألف لا لسياسة الاغتيالات الجبانة التي تستهدف الرموز الشرعيين لشعبنا الفلسطيني الصامد.