الجمعة 06 فبراير 2026 الساعة 08:55 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

الضربة على سوريا 2

حجم الخط
د. أحمد نوفل

1- أسد عليّ وفي الحروب نعامة.

هذا البيت أو شطرته لا يكاد ينطبق على أحد انطباقه على "الأسد" الصغير والكبير.. ولا حتى من قيل فيه الشعر قبل ألف وثلاثمئة سنة (ربما). وإنما ألح عليّ البيت وحضر بقوة لأن الجيش الأسدي منذ أربعين سنة لم يصوب طلقة ولو بالخطأ تجاه عدو الأمة والوطن والجغرافيا والتاريخ وهو العدو الصهيوني كما يحلو لهم أن يسموه.. وما صمد في حرب الأيام الستة، لا ستة أيام ولا ست ساعات. ولا في حرب يوم الغفران أو حرب رمضان أو حرب أكتوبر أو حرب تشرين أو حرب العبور، تنوعت الأسماء والخيبة العسكرية والسياسية واحدة.

 

هذا الرعديد في مواجهة أجبن الخلق اليهود، صنديد أمام شعبه المجرد والأعزل والطيب ولكنه أي الشعب شجاع بطل لو خلّي بينه وبين عدو الأمة. هذا الأسد من ذاك الأسد صب نار أسلحته بكل أنواعها وعياراتها وأمْديتها وراجماتها ووسائل إطلاقها صبها على شعبه بلا هوادة، وها قد انتصفت السنة الثانية ولم يتوقف سيل الحمم لا ليلاً ولا نهاراً ولا رمضان مهما توسط المتوسطون ولا ليلة القدر، ولا يوم عيد ولا يوم سوريا الوطني ولا غيره.. بينما في "فض الاشتباك" مع إسرائيل كما سموه فاستجابة فورية. وهذا نفسه "شلَح سلاحه" من أول تهديد بالضرب من أمريكا ومع التطمينات المتعددة بأن الضربة كما قالوا وقلنا في حلقة سابقة على لسانهم بالطبع وهو قول "جو بايدن": "مثل وخزة الدبوس". هذا المخزون الاستراتيجي لا ندري كم تكلفنا من قوت أطفالنا حتى صنعناه أو اشتريناه لأن الموازنات العسكرية سرية على الشعوب معروفة "بالتعريفة" لأعين اليهود والأمريكان والروس والفرس وأضرابهم. وأقرأ اليوم وقت كتابة هذا المقال في مذكرات جولدا مائير أن "أشرف مروان" وكان سكرتير الرؤساء المصريين كان عميلاً للموساد واجتمع في لندن مع مدير المخابرات الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر بأيام وأخبرهم عن الحرب وأنها في أول أيام أكتوبر.. أقصد إلى القول إن جبهاتنا مكشوفة للعدو وموازنات جيوشنا ولكنها سرية على الشعوب وعلى مؤسسات دولنا.. فلماذا الشجاعة علينا والنذالة أمام الأعداء؟ ليصدق فيهم كلام الله عن المؤمنين "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" فهم بعكس مواصفات المؤمنين فليس لهم من الإيمان نصيب.. من هنا كانت الخسة والنذالة والجبن والعمالة وسرعة الانهيار.. والسيسي هل أطلق طلقة باتجاه إسرائيل هو أو جيشه منذ الأربعين سنة ذاتها؟ والجواب لا بالقطع ولكنه يدمر الآن سيناء ويقهر بدوها وعشائرها بعد أن أفنى من المعتصمين السلميين في رابعة وميدان النهضة آلافاً وجرح آلافاً كثيرة وأحرق الجثث ومثل بها وأحرق وأغلق المساجد، لينطبق عليه وصف الشاعر أيضاً وعلى كل من شابههم:

 

أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر

هذا السلاح الكيماوي الاستراتيجي الذي كان يُعدّ ويجهز –نظرياً- لإحداث نوع من التوازن الاستراتيجي أو توازن الردع أو توازن الرعب، يتنازل عنه بعد أن استخدمه في هلاك شعبه، وقتل الأطفال والنساء ليحدث الصدمة والترويع ليخضع الشعب وينهي ثورته. ويقول البعض إن ضرب الكيماوي كان مقصوداً وبالذات الكيماوي مع وجود المفتشين لتحصل الصفقة التي حصلت، يتنازل الأـسد عن الكيماوي كما تنازل القذافي عن مشروعاته المجنونة في السلاح النووي وتكلفت قرابة العشرين ملياراً سلمها لأمريكا وهي بدورها سلمتها لإسرائيل وراحت علينا وعلى الشعب الليبي المليارات: نقص غذاء ونقص دواء وماء.. ولم نفد منها شيئاً. وهذا الأسد اليوم يعيد الدرس نفسه ولا تعلّم ولا تعليم.

 

أليس قد حوكم صدام وأعدم في موضوع الكيماوي وهو موضوع ملتبس وكما جاء في الوثائقيات أن إيران هي التي استخدمته لإخماد ثورة الأكراد عندها. وفتش العراق بيتاً بيتاً بحثاً عن كيماوي فلم يجدوا..

 

2- لافروف وكيري يتفاوضان عن سوريا.

صدعت دولنا أدمغتنا بسيادتها وأنها كاملة الأوصاف وكاملة السيادة وأن القرارات التي تصدر عنها قرارات سيادية. لنكتشف أنه لا سيادة ولا أسياد، ولكن الآخرين هم من يتكلمون عنا ومصائرنا تقرر في العواصم الكبرى أو حتى في تل أبيب التي تدير الدنيا. من طرح مبادرة وضع السلاح الكيماوي تحت إشراف الأمم المتحدة هو لافروف وزير خارجية سوريا أقصد روسيا.. وفوراً عقب المعلم نيابة عن المعلم بموافقة سوريا.. وبدأت ماكينة الإعلام الأسدية تبين تفاهة السلاح الكيماوي، وأنه لا "للصدة ولا للهدة" ولا لعثرات الزمان ولا ليوم كريهة وسداد ثغر ولا لتوازن استراتيجي! فعجبنا له هذا الإعلام كيف كذب ونفى وجود السلاح الكيماوي. ثم نفى وكذب في أن النظام هو من استخدم النظام الكيماوي وإنما الذي استخدمه الثوار (وبالمناسبة فإن إعلام مصر نسخة عن إعلام سوريا في ترداد أن الثوار هم من استخدم السلاح الكيماوي وسبحان مغير الإعلام!)

 

وبالمناسبة أيضاً لم يقل لنا اليساريون الثوريون المناضلون ما موقفهم أن يكونوا هم وفلول مبارك في خندق مبارك واحد! هل هذا هو مصيرهم؟ أم أن المكيافيلية تقتضيهم هذا؟ مع أن إسرائيل تقول عن السيسي إنه يخوض معركة إسرائيل ضد أعدائها. وإنه بطل قومي لإسرائيل وشعبها. وما الفرق بين السيسي والأسد؟ كلاهما مرتبط سراً بإسرائيل، وكلاهما قتل شعبه ودمر بلده، وكلاهما يسير مسيرة الجور في الأمة ومحاربة المساجد والإسلام والمؤمنين. وكلاهما متحالف مع اليسار وقوى الاستعمار وحلها يا حلال!

وإذا كان النظام غير متورط في استخدام السلاح الكيماوي فلماذا رفضت روسيا محاكمة من استخدم السلاح الكيماوي؟ إنها إذاً تعلم أن من استخدمه النظام التابع لها وهو لم يستخدمه فقط بإذنها ولكن أحد السيناريوهات أنه استخدمه بإيعاز منها أو بأمر لتجري المفاوضات من موقع اقتدار ولتكون التضحية بالسلاح الكيماوي ثمناً لإرضاء أمريكا فتكون أمريكا خرجت من المولد بالحمص واحتفظت بماء الوجه، وكسبت تجريد النظام ورضوخه في الظاهر لها ولشروطها وكسبت حليفتها إسرائيل، ولتستمر أداة القتل الجهنمية بكل ما يملك النظام من وسائل ومدفعية وصواريخ ودبابات، ولا بأس بقليل منه يحتفظ بها لتستخدم عند الضرورة وبشكل لا يلفت الأنظار بأن تكون على المقاتلين مثلاً حتى لا يثير منظر الأطفال حفائظ الناس. هذا النظام مقتدر في الدهاء ويخطط له شياطين الدهاء في روسيا وإيران ولكن هذا المكر لم نره لمدة أربعين سنة مع الأعداء. فعلاً أسد علي ونعامة أمام تلويحات الأعداء. والحديث موصول.