السبت 07 فبراير 2026 الساعة 10:58 ص

مقالات وآراء

إسرائيل..الحاضر الغائب في أزمة سوريا

حجم الخط
د. عدنان أبو عامر

تخرج هذه السطور إلى حيز النشر، ومعالم الصفقة الأمريكية الروسية حول السلاح الكيماوي السوري تتضح أكثر فأكثر، فيما تبدو (إسرائيل) في قلب هذه الصفقة الوشيكة، بالنظر لتبعاتها الميدانية ونتائجه العملياتية، بعد أن كان السؤال الأكثر تكراراً في (تل أبيب) حتى قبل أيام قليلة: هل سترد سوريا على الضربة بتوجيه قذائفها المدفعية نحو (إسرائيل)، أم تكتفي برفع سقف تهديداتها الخطابية فحسب دون حراك ميداني؟ وهل ستقوم بذلك بالأصالة، أم بالنيابة عبر حلفائها في المنطقة؟ ولو حصل ذلك، كيف سيكون الرد الإسرائيلي على الفعل السوري المستبعد؟

 

لاشك أن الساحة السياسية الإسرائيلية تعيش حالة من تقديرات الموقف التي تزودها بها الأجهزة الاستخبارية، وصدرت العديد من التصريحات التي أكدت أن (إسرائيل) ستعرف كيف تدافع عن نفسها في وجه من يحاولون مهاجمتها، ولسان حالها يقول: "عيننا على سوريا، وإصبعنا على الزناد"، متخذة كافة الاستعدادات لمواجهة السيناريوهات المحتملة بالتزامن مع توجيه الضربة الأمريكية.

 

ولما كانت التقديرات الإسرائيلية تتجه بصورة حثيثة إلى أن عملية برية أمريكية في سوريا غير مأخوذة بالحسبان، فقد بقي الهجوم الجوي، بطائرات وبصواريخ بحرية، ويمكن أن تكون أهداف الهجوم استراتيجية كجعل سماء سوريا منطقة حظر طيران، أو تكتيكية كضرب أهداف محدودة متصلة بمنظومة السلاح الكيماوي، وبصواريخ أرض-أرض، أو كل هدف رمزي آخر لردع الأسد عن استعماله مرة أخرى.

 

وقد رأت (إسرائيل) أن فرض حظر جوي على سوريا يوجب الاحتكاك الطويل مع منظومات الدفاع الجوي، مما يرفع مستوى التوتر، فيما الهجوم المحدود على بعض الأهداف للردع عملية قصيرة الأمد ستُمكّن الأمريكيين من إظهار الفِعل دون تورط، ويرجح كفة المسلحين مقابل العملية التكتيكية التي لن تُغير توازن القوى.

 

ولذلك فإن ما رجحه الإسرائيليون قبل الإعلان عن بوادر الصفقة الجديدة أن الهجوم على القدرات التكتيكية قد يتجاوز الحدود الاستراتيجية التي صدت تدخلاً عسكرياً في سوريا، وإذا كان الافتراض الإسرائيلي أن تكتفي روسيا بتنديد شديد، ولا تُرسل قوات لحماية النظام، ولا تُقرب سفناً حربية من ميناء طرطوس، فسيبقى سؤال "اليوم التالي": من سيتمتع بثمرات الهجوم؟ ومن سيتولى الحكم إذا سقط الأسد؟

 

هنا يستطيع "أوباما" أن يُنعم سياسياً على نفسه بأن يهاجم عدة أهداف في سوريا، ويُظهر تمسكه بالخط الأحمر الذي خطه قبل سنة، وهو تقدير مهم لرئيس شعبيته تتدهور، لكن حينما يُجهدون قوة كبرى لتضرب دولة أخرى، أو تُسقط نظاماً، فمن المناسب أن يكون السبب والنتيجة يلائمان القوى العظمى، ما يعني أن استعمال السلاح الكيميائي قتل أكثر من 1200 إنسان، وقُتل بالسلاح التقليدي أكثر من 100 ألف آخرين، وهذا سبب جيد بقدر كافٍ لإسقاط النظام.

 

كما أخذ الإسرائيليون بالحسبان أن يستغل الأسد أيّ هجوم عليه ليوسع المعركة معهم ليظهر كبطل سوري عربي، وهنا خرجت بعض الأصوات المحذرة مما أسمته "شراء المواقف المغرورة" التي يطلقها قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتهدد بأنّه إذا تجرأت سوريا على استهداف (إسرائيل) فستعيدها للعصور الوسطى، مطالبة بالتعاطي بشك مع هذه التهديدات، لأنه في الطريق لذلك، سيصاب آلاف الإسرائيليين.

 

وهو ما دفع لأن توجد "المسألة السورية" في قلب النقاشات الاستراتيجية بين (إسرائيل) وحلفائها في الفترة الأخيرة، لأنّه في حال شعر الأسد بأن نظامه يتعرض لخطر ملموس، فإن كل السيناريوهات ينبغي أن تؤخذ في الحسبان عقب تنفيذ الضربة، التي يفترض الإسرائيليون أن تكون في مرحلتها الأولى، مقلصة ومركزة، سواء للامتناع عن التورط العسكري، أو الخشية من أن يدفع شن هجوم واسع الأسد لاستخدام الكيميائي ضد معارضيه، على قاعدة أنه لم يعد هناك ما يخسره.

 

ورغم أن هناك قطاعاً واسعاً من دوائر صنع القرار الإسرائيلي تستبعد احتمال أن تشنّ سوريا هجوماً صاروخياً ضد (إسرائيل) في حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بمهاجمتها، لكنها في جميع الأحوال عليها أن تكون مستعدة من الناحيتين الهجومية والدفاعية، لأنّه في حال شن هجوم أميركي فسيتم إخطارها مسبقاً.

اللافت في (إسرائيل)، تلك القراءة الاستخبارية لـ"سيكولوجية شخصية الأسد"، فطالما كان بإمكانه البقاء بعد أي هجوم أميركي، فلن يهاجم (إسرائيل)، ولن يدخلها كقوة ضده، لكنه في اللحظة التي يشعر فيها أن مصيره حُسم، فقد يرى بعمل ضدها أمراً جذاباً، وما يقلقه بهذه المرحلة كيف يخلص نفسه وعائلته من المصير الذي ينتظره، ولذلك فلن يرد على (إسرائيل) لو هاجمته الولايات المتحدة، لعلمه أن عنده الكثير مما يخسره إذا قام بذلك.

 

أخيراً..فإن مخاوف (إسرائيل) من رد فعل عسكري سوري تجاهها انتقاماً من أمريكا، سيكون بمثابة انتحار من قبل الأسد، وهناك شكوك كبيرة حول تفضيله لهذا الخيار!