مقدمة:
شهدت العلاقات المصرية - التركية حالة من التوتر غير المسبوقة تجاوزت حد التصريحات الدبلوماسية وتجاوزت التهديدات اللفظية، ووصلت إلى حد استدعاء السفراء، وفرض قيود مصرية على التأشيرات للأتراك، وتهديد بمراجعة الاتفاقات الاقتصادية، إضافة إلى تأجيل المناورات التي كانت ستجري بين الطرفين ورفض الطرف المصري الطلب التركي بزيادة عدد أفراد البعثة الدبلوماسية التركية في القاهرة. كل ذلك كان رد فعل على الموقف التركي الصريح مما جرى بعد 30 يونيو، حيث رفضت تركيا عزل مرسي والإطاحة بحكم الإخوان الذي نفذه الجيش بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي، حيث انتقد اردوغان الذي ينتمي إلى نفس المدرسة الفكرية والأيدلوجية للإخوان المسلمين قيادة الجيش متهما إياها بسرقة الثورة الحقيقية للشعب المصري ومتهما السيسي بالتورط في مجازر ميدان رابعة العدوية والنهضة، والوقوف ضد إرادة الشعب الحرة وضد الإرادة الديمقراطية، إضافة إلى اتهامه لرئيس الأزهر بالنفاق ومساندة النظام الجديد. وكما ترك هذا التغير الدراماتيكي في مصر آثاره السلبية على الشأن الفلسطيني، فان تدهور العلاقات التركية المصرية كان له تداعياته على الشأن الفلسطيني في قطاع غزة على وجه الخصوص، حيث ألغت مثلا مصر الزيارة المرتقبة لاردوغان لقطاع غزة.
-ما وراء الموقف التركي:
هناك العديد من الأسباب المختلفة تقف خلف الموقف التركي مما حدث في مصر بعد 3 يوليو وما خلفه من تداعيات، منها:
أولا : يتضح الترابط الفكري بين اردوغان وبين نظام حكم مرسي، فالناظم الإيديولوجي واحد، و كلا الطرفين ينتمي لنفس المدرسة ونجاح مرسي هو نجاح جديد يضاف لنظام اردوغان ونهجه، وقد بدأ التنسيق التركي المصري في عهد مرسي بالاتفاق على التصدي ومواجهة النظام السوري ودعم الثورة.
ثانيا: يأمل اردوغان بعد النجاحات والاختراقات التي حققها في بلاده أن يجعل من النظام التركي في عهد حزب العدالة والتنمية نموذجا يحتذى به، فهو يدعي انه علماني وفي نفس الوقت عمل للإسلام ما لم تفعله المملكة السعودية أو أي بلد إسلامي آخر. حيث تنعم تركيا بالاستقرار السياسي، و بالرخاء الاقتصادي، وزادت الحريات ونضجت مفاهيم الديمقراطية وتراجع حكم ونفوذ العسكر بفضل حكمة وصبر القيادة السياسية.
ثالثا: ترى تركيا بان التحالف مع أقوى دولة عربية وهي مصر سوف يزيد من رصيدها في التفاوض مع أوروبا للدخول كعضو في الاتحاد الأوروبي. حيث مصر تعتبر مدخلا وبوابة دخول لإفريقيا ولدول أسيا أيضا وبإمكان تركيا تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة ضمن الأسواق الجديدة في إفريقيا واسيا.
رابعا: هدف تجاري و مالي: لقد خسرت تركيا كثيرا من استثماراتها في سوريا بعد موقفها من النظام، وحيث وبمجيء الإخوان للسلطة في مصر أبرمت تركيا مع مصر العديد من الاتفاقيات تقدر بــ40 اتفاقية في مجالات التجارة والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والدفاع والبنوك والسياحة والنقل، ووفقا لبعض التقديرات المتداولة فان الميزان التجاري بلغ بين البلدين 4.2 مليار دولار، منها 3,9 مليار صادرات تركيا لمصر، و 0,3 مليار واردات القاهرة، وواضح أن تركيا هي الخاسر الأكبر من وراء توتر وتوقف العلاقات.
خامسا: أن تركيا تستخدم موانئ مصر لتصدير بضائعها إلى دول الخليج ودول إفريقيا بعد أن خسرت تركيا تلك الوسائل في سوريا.
سادسا: قد يكون تشدد اردوغان تجاه ما حدث في مصر من إزاحة رئيس منتخب ورفضه القوي للانقلاب فيه رسائل إلى الداخل التركي، حيث تسكن القيادة السياسية التركية كثيرا من الهواجس التي ترسخت في الماضي الغير بعيد من تجارب الحكم والانقلابات التي قام بها الجيش التركي، حيث انقلب الجيش على عدنان مندريس وشنقه، وانقلب على اربكان، فالتاريخ الحديث لتركيا فيه ما يبرر خوف وخشية اردوغان.
سابعا: قد يكون لدى اردوغان شعور بتأنيب الضمير او احساس بالمسئولية الكبيرة تجاه ما حصل من عزل مرسي وسقوط الاخوان بهذا الشكل، حيث نصح اردوغان مرسي قبل 30 يونيو بان لا يتنازل للمعارضين، وان لا يقدم اي تنازلات، وجائت النتائج بعكس ما كان يتوقع اردوغان.
-أهمية موقف الرئيس اردوغان بالنسبة للإخوان:
رغم أن موقف اردوغان احدث تشنجا في العلاقات بين الدولتين، إلا أنه قد يكون له أهمية كبيرة تتمثل في الوصول لحلول وسط، يجعل قيادات الإخوان تخرج من خلف القضبان، اي يوفر لهم "الخروج الآمن"، حيث أن موقف اردوغان وشعبيته واتصالاته بالدول الكثيرة التي له علاقات متميزة معها شارحا لها ان ما وقع في مصر هو "انقلاب"، يزعج مصر وخاصة أن كثير من الدول ما زالت تتهم مصر بارتكاب مجازر وأنها انقلبت على حكومة شرعية ونظام منتخب. ومنها الموقف الإفريقي وكثير من دول أوروبا واسيا، فمصر ما زالت ترسل البعثات الدبلوماسية والشخصيات القيادية وتكثف النشاطات من اجل شرح موقفها للعالم الخارجي، ومصر في حاجة إلى تركيا، وقد يؤثر اردوغان بموقفه هذا في التوسط وإخراج القيادات من المعتقلات ووقف عمليات تجميد أموال الإخوان والملاحقات الأمنية لهم. وضمان عودة الحياة الديمقراطية في مصر وعدم إدراج الإخوان ضمن قائمة الإرهاب التي يسعى النظام الآن في مصر لتحقيقه.
واكبر دليل على صدق طرحنا هذا، توجه عمرو موسى إلى تركيا في 29/7/2013 مع وفد ضم شخصيات من الأردن والعراق ولبنان محاولا الحصول على تأييد تركيا للتغيرات الجديدة في مصر واستعادة العلاقات المصرية التركية إلى سابق عهدها.
-الشأن الفلسطيني بين نظام مصري مناوئ لحماس وسندان توتر العلاقات المصرية التركية:
لا شك أن الوضع الفلسطيني مرتبط بالوضع الإقليمي، ولطالما كانت القضية كلها مرتبطة بالتغيرات الإقليمية ومخرجاتها في المنطقة ، وقد كان التغير في مصر ومجيء الإخوان إحدى هذه التغيرات البارزة، حيث فترة مرسي وفرت لقطاع غزة دعما وسندا لوجستيا كبيرا، وذلك من خلال تسهيل عبور القوافل والوفود إلى قطاع غزة ، ومنها زيارة الأمير القطري لغزة التي رأى العديد آنذاك من الخبراء الفلسطينيين أن هذه الزيارة تعتبر بداية حقيقية لكسر الحصار عن قطاع غزة وكسر العزلة السياسية المفروضة من (إسرائيل)، واعترافا واضحا لشرعية الحكومة في غزة، وكان من شأن هذه الزيارة لوفد قطري رفيع المستوى أن يشجع دول أخرى لتكرار نفس الزيارة وتوسيع دائرة الاعتراف بحكومة غزة وبشرعيتها وكسر الحصار، وقد كان من المقرر أن يزور اردوغان نفسه قطاع غزة في إطار الإشراف على رفع الحصار عن القطاع بحسب الشروط التي وافقت عليها (إسرائيل) بخصوص قضية اسطول الحرية ( حادثة مرمرة) ، ولكن الاطاحة بحكم الاخوان في مصر وموقف اردوغان من ذلك، سببا إلغاء هذه الزيارة حسب الرواية المصرية، بينما الطرف التركي ذكر بأنه فقط تم تأجيلها، ومعلوم ان لمثل هذه الزيارة لو تمت الأثر العظيم في فتح قنوات أوروبية جديدة بما ان تركيا لها علاقات كثيفة ومتشابكة في أوروبا، وقد كان لتركيا فضل كبير على السلطة الفلسطينية في مسعاها الأخير للحصول على الاعتراف الاممي بدولة غير عضو، وقد مارست تركيا ضغوطات كبيرة على كثير من الدول لكي تعطي صوتها للسلطة، وهي التي لها تأثير على دول البلقان ودول اورواسيا بسبب الموروث التاريخي لتركيا، وكان ذلك واضحا من خلال شكر وتقدير الرئيس محمود عباس نفسه لاردوغان.
فالضرر الذي لحق بحكومة غزة كان واضحا، حيث سلطات النظام الجديد في مصر اعتمدت مفهوم "محاربة الإرهاب" في تصديها للاخوان، -قيادة واعضاء ومناصرين-، والذي يتسق مع أدبيات الغرب تماما حتى توحي للغرب بأنها تحارب نفس العدو وبذلك تحظى بدعمه، وهي ترى "حماس" التي تحكم غزة فرع من حركة الإخوان المسلمين الواقعة في دائرة الاستهداف. وقد أغلق الجيش المصري المعبر عدة أيام وعندما أعاد فتحه قلل نسبة ساعات العمل فيه، مما اثر على حركة تنقل المسافرين، وقام الجيش – وما زال- بهدم نسبة كبيرة من الأنفاق التي تعتبر شريان الحياة الحقيقي لغزة في ضوء إغلاق المعابر، ودون توفير أي بديل لتلك الأنفاق، مما يعتبر مؤشر على بداية حصار مصري لقطاع غزة وممارسة "عقاب جماعي" collective punishment" " مرة أخرى لحماس التي تعتبر فرع من الإخوان، وايضا حصار للشعب الفلسطيني كله في غزة، ومن الجدير ذكره أن الإعلام المصري وخلال فترة حكم الإخوان عمل على الربط بينهما وتشويه وشيطنة حركة حماس في قطاع غزة وتوجيه كثير من التهم التي ثبت أنها محض إشاعات وافتراءات، وكان بعض من الاعلام المصري يعتمد في روايته على ما تدعيه وتنقله وسائل الاعلامية الفلسطينية التابعة لسلطة رام الله المناوئة لقيادة قطاع غزة ، والتي تتمنى استرجاع قطاع غزة تحت حكمها مرة اخرى باي وسيلة.
-هل من عودة مرتقبة لعلاقات طبيعية بين البلدين؟
إن قراءة التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي ووزير التجارة والصناعة منير فخري عبد النور وكثير من القيادات في النظام الحالي تنبأ بان الأزمة الحالية ظاهرة عارضة ولا يريد الطرف المصري بان تصبح مستدامة، حيث يرى الوزير فهمي أن العلاقات التركية المصرية مهمة للغاية للشعبين، ويجب العمل على صيانتها حفاظا على مصالح البلدين.
لا شك أن هناك مصالح مشتركة كبيرة بين البلدين واحتياج متبادل لإعادة علاقة طبيعية ترتكز على أساس توازن المصالح، اثبت ذلك زيارة عمرو موسى ضمن ما سمي وفد "المجلس العربي للعلاقات الدولية" ولقاءه بـ عبد الله جول واردوغان واحمد داوود اوغلو، ( الثالوث الدبلوماسي التركي) ومن المؤكد أن لا خلاف بين شعوب الدولة المصرية والتركية، وبرغم أن موقف اردوغان كان ثابتا لم يتغير تجاه إسرائيل وأزمة مرمره، وقد استطاع اردوغان أن ينتزع اعتذار من إسرائيل ويحقق أهدافه إلا أن موقفه من أزمة مصر قد يتغير، لعدة أسباب منها:
إن العلاقة مع مصر ليست كالعلاقة مع إسرائيل العدو، فمصر دولة عربية اسلامية صديقة، لها دور اقليمي محوري وهام، وكسب مصر يعتبر كسب لكثير من الدول العربية ومنها الإفريقية والخليجية التي هي في حالة تحالف مع تركيا اردوغان، وكانت أزمة مصر فقط هي الخلاف الوحيد الذي طرأ. حيث تركيا والسعودية وقطر مثلا في حالة اتساق وتناغم تام من الثورة السورية.
إن سياسة تركيا الآن التي اختطها حزب التنمية والعدالة ومن خلال ممارسات الدبلوماسي المخضرم وزير الخارجية داوود أغلو تقوم على أساس فكرة "العمق الاستراتيجي" ونظرية "صفر مشاكل" مع دول الجوار، ومصر تعتبر من أهم الدول العربية في الجوار التركي، وتغير موقف تركيا الآن مرهون بتحقيق انجاز ما في الأزمة قد يتمثل في الوصول لحل وسط يوفر على الأقل "الخروج الآمن" للإخوان.
يدرك اردوغان جيدا أنه يستطيع تحقيق ذلك الانجاز والوصول لحل وسط، حيث وبرغم استمرار النظام الجديد بدعم قيادة الجيش، إلا أن الوضع في مصر غير مستقر وغير "طبيعي"، فهناك إضافة إلى ثقل الإخوان في الميادين والشوارع قوى سياسية وفئات نخبوية وشخصيات كبيرة قيادية لها حضورها وثقلها في خصومة مع الإخوان تأبى التساوق مع المسار الحالي، وهي في تزايد مطرد، وترفض ما حصل بشتى ما افرزه هذا التغير من نتائج، من فرض لقانون الطوارئ ومنع الحريات وتضييقها ، واغلاق القنوات الاسلامية والمحسوبة على التيار السياسي الاسلامي، وسيطرة العسكر على الحياة السياسية، وهذا يجعل التغيير في مصر من جديد قائم وقريب.
وقد ارتبطت مصر بكثير من الاتفاقيات الهامة لكلا الشعبين مع تركيا، ويذكر أن هناك نحو 350 مصنعا تركيا في مصر يعمل بها أكثر من 50 ألف عامل مصري، ونحو 250 شركة تركية تشغل نحو 65 الف عامل مصري،، وقد تزايدت المصالح بينهما إبان حكم مبارك وتوطدت العلاقات أكثر بمجيء الإخوان، وكان من المأمول أن تصل حجم التجارة إلى 7 مليارات دولار، والاقتصاد في هذه الفترة الزمنية قد يقود السياسة حسب ما هو شائع في دول المتقدمة.
-ما مصير قطاع غزة في ظل التغير في مصر؟
يظل قطاع غزة رغم الناظم الفكري والأيدلوجي الواحد بين حماس الفلسطينية التي تحكمه، وحزب التنمية والعدالة التركي، وبين إخوان مصر مختلف تماما، حيث الخصوصية التي تتمتع بها غزة وهي أنها تواجه احتلال إسرائيلي وعدوان متكرر كل فترة زمنية بسيطة تشكل رادعا وطنيا وأخلاقيا وأدبيا لأي محاولة لحصارها وخنقها وإضعاف أهلها. وبرغم ان السلطة الفلسطينية ستكون اقرب الى القيادة الحالية في مصر، إلا أن القيادة المصرية ستحتاج إلى التحاور مع قيادة قطاع غزة لان غزة تعتبر نافذة للعب الدور الإقليمي المتنافس عليه أصلا من قبل عدة قوى مثل تركيا وإيران وبعض الدول الخليجية، وتظل الأدبيات التي تتمثل في أن غزة رأس الحربة في الصراع العربي الإسرائيلي، والبوابة الجنوبية للأمن القومي المصري. أقوى واصدق من محاولات التشويه و الشائعات ،، وفي مصر قوى مدنية تقف مناوئة للإخوان تدعم غزة، إضافة إلى القوى الدينية الأخرى، ولطالما نادت هذه القوى بعدم الربط بين غزة والإخوان وما يحدث في مصر مثل الدكتور سيد البدوي والسيد حمدين صباحي والدكتور أيمن نور ووزير الخارجية نبيل فهمي، حيث تعتبر غزة لدى هؤلاء جزء أساسي من خط الدفاع عن مصر. ومساعدتهم للشعب الفلسطيني هي واجب وطني و في مقدمة الأجندة الوطنية لمصر.
ويجب التعامل مع اي نظام مصري بغض النظر عن الكيفية التي جاء بها، ولا يجب ان نوسع دوائر الاتهام المتبادل بين الطرف المصري والفلسطيني، حيث سيستغل ذلك المغرضين واصحاب الاهداف الصهيونية، بل يجب تضييق هذه الدوائر، واعتماد خطاب سياسي اعلامي معتدل، واسلوب براغماتي مرن، يحقق استمرار وتطوير العلاقات دائما، ويجب ان لا نأخذ بعض التصريحات الغير مسئولة من بعض الشخصيات المصرية على محمل الجد، حيث وصلت التهديدات المصرية الجزائرية ابان " واقعة الخرطوم" الرياضية بين الطرفين اقصى مداها، ولم يتبقى الا اعلان الحرب، ولكن وبسرعة عادت العلاقات الى طبيعتها، وتم تطويق دوائر الاتهامات المتبادلة عبر الزيارات المتبادلة، وشرح المواقف وهذا ما يجب ان يحدث بين قيادات غزة وقيادات النظام الجديد في مصر ومحاولة كسبه واستثمار علاقات طيبة معه لما لغزة من اهمية استراتيجية كبيرة.
-ثوابت العلاقة بين غزة ومصر:
تاريخيا، كانت مصر لا تستطيع ان تكمل جلائها للهكسوس الا عندما تطردهم من مدينة غزة التي كانوا يتحصنون فيها لكي يعاودو الهجوم على مصر، فقد طردهم الملك أحمس وجلاهم عن غزة بعد طردهم من مصر وصعيدها، فغزة لها من الاهمية بالنسبة لمصر كما للبنجاب بالنسبة للهند، وتعتبر مدينة غزة ملمح اساسي من ملامح خارطة الامن القومي المصري، والتي تعتبر رأس الحربة في الصراع العربي الاسرائيلي ومكسبا استراتيجيا لمصر في صراعها المحتمل مع اسرائيل، فبرغم مرور زمن طويل على ما يمكن تسميته الاساطير الاسرائيلية و حلم "اسرائيل الكبرى"، وادعاءات اليهود باحقية امتلاك جزء كبير من مصر والشام واجزاء من الاناضول، فقد أظهر المعهد الديمقراطي التابع للكنيست الإسرائيلي في استطلاع للرأي، أن 89% من الإسرائيليين يؤيدون إعادة احتلال سيناء، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتوقيع معاهدة "السلام" المصرية-الإسرائيلية.
ومدينة غزة واستقرارها يمثل جزء اساسي من امن مصر القومي، ويعتبر انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني وحرمانه من ابسط احتياجاته الانسانية انتهاكا للقانون الدولي الانساني على حدود مصر الشرقية. الامر الذي يمثل تهديدا صريحا للامن القومي المصري.
وستظل العلاقة بين غزة ومصر ثابتة مهما كان شكل التغير السياسي في مصر، وسواء استقرت مصر سياسيا، او دخلت في مرحلة من اللاستقرار والعنف الداخلي، لن تعود العلاقة في اسوأ الاحتمالات الى ما كانت عليه ابان حكم مبارك، وذلك مهما ذهب خصوم قطاع غزة في تعمدهم الخلط بين حماس كحركة مقاومة لها خصوصيتها تتصدى للاحتلال الاسرائيلي، وتحكم غزة في واقع استثنائي فرضته خلافات الاخوة بين (فتح وحماس) من جهة، وبين الاخوان المسلمين في مصر من جهة اخرى. وقد كان من احدى الاسباب العديدة التي جعلت المصريون يخرجون على مبارك وحكمه في ثورة 25 يناير 2011، موقفه السلبي من غزة واهلها، وسياسته الخارجية في محاصرة ما يقارب 1.7 مليون فلسطيني في قطاع غزة، والتنسيق الواضح مع الاحتلال في عدوان 2008-2009،، هذه المواقف التي اتسقت تماما حينذاك مع الموقف الاسرائيلي و الامريكي، والشعب المصري الاصيل بجميع مكوناته واختلافاته ومشاربه لا يرضى بمحاصرة غزة والتضييق على اهلها مرة اخرى مهما كان شكل وطبيعة النظام الحالي.
خلاصة: تشير الدلالات إلى أن تركيا هي صاحبة الفعل، ومصر هي صاحبة ردة الفعل في أزمة العلاقة بين الطرفين، وان موقف اردوغان رغم ثباته في الوقت الحالي إلا انه سيتغير بعد تحقيق انجاز نسبي، وسيستعيد علاقاته الطبيعية بمصر، حتى لا يخسر أكثر، حيث تكبد خسارة في ليبيا تقدر بمليارات وتكرر نفس السيناريو معه في سوريا. عامل آخر مهم في عملية استعادة العلاقات وهو ضغط رجال الأعمال في كلا البلدين على ضرورة استعادة العلاقات الطبيعية، وستسهم عودة العلاقات التركية المصرية في تقديم موقف قطاع غزة برؤية تركية من جديد، وخاصة أن غزة تظل أهميتها أنها تقع ضمن خطوط الأمن القومي المصري التقليدية، وبوابة للعب دور إقليمي من خلال المصالحة بين ( فتح وحماس)، وجاء ذلك في حديث وزير الخارجية المصري فهمي حيث أكد على دور مصر في المصالحة،، ومن المتوقع أن ينجح اردوغان في زيارته لغزة في غضون الشهور القليلة القادمة، حيث أكد بعيد تغير النظام في مصر أن الزيارة لم تلغى، ولكن تم تأجيلها فقط بسبب ما حصل في مصر، وبذلك يكون هناك تأكيد على ضرورة عدم الربط بين الإخوان وحماس، وخاصة أن حماس نجحت في ادارة غزة لسبع سنوات ماضية، وتحرص دوما على عدم التدخل في الشأن المصري، ولم يثبت تورطها في أي عمل إجرامي، ولم يدان احد من أفرادها أو قياداتها في المحاكم المصرية.
نقلاً عن مركز الزيتونة


