1- ما قبل المدخل.
إلى الذين ما يزالون يشككون في المؤامرة ووجودها ويظنونها ضرباً من الهلوسة أو الخيال المريض.. فهؤلاء نقول لهم إن الواقع المحسوس وهو أصدق برهان شاهد على وجود مؤامرة، فهل ما يصيب الأرض المحتلة من قضم يومي ليس مؤامرة؟ وهل ما يقتطعه السور أو جدار الفصل العنصري في فلسطين من أرض ويحتجزه من مياه ليس مؤامرة؟ وهل تهديد الأقصى وما يصيبه من نية تهويد ليس مؤامرة؟ وهل الانقلاب على الشرعية والإتيان بالقتلة ليس من المؤامرة؟ وهل الإعلام العربي المتفق على الخيانة والتحريض والتكفير بتسمية المسلمين "متأسلمين" أليس هذا الاتفاق دليل المؤامرة؟
وندع هذا، أليس القرآن قد حدثنا عن مؤامرة لقتل النبي محمد عليه الصلوات فقال: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك..". ومؤامرة لقتل موسى عليه السلام فقال الله تعالى: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين". ولقتل صالح: "وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله.." النمل 48-49. والذين عقروا الناقة دبروا أمرهم بليل حتى قال العرب في كل مؤامرة: "أمر دبر بليل" وأما العلاقة بين المؤامرة والمؤتمر فتحتاج إلى مؤتمر! ومثلما تكون المؤامرة بالشر فقد تكون في الخير: "وائتمروا بينكم بمعروف"
والمكابرة في هذا الأمر فوق الواقع وقفز على مسلمات العقل.
2- مدخل.
هذه هي الحلقة الثالثة ضمن حديثنا عن المؤامرة، وهذه الحلقة مختصة بما يدور على الشباب من تآمر وكيد ودس ومكر وتخطيط سيئ.. وإذا كانت الأمة بمختلف شرائحها مستهدفة فإن شريحة الشباب هي المستهدف الأول.. وذلك لأسباب موضوعية عديدة جداً. وأكبر تآمر على الشباب إهمالهم من خطة تنتظم شرائحهم وأوقاتهم وعطلاتهم وتملأ فراغهم، فإنه كما قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
وإن ازدياد العنف الجامعي والمجتمعي ينبغي أن يلفتنا إلى هذه الشريحة العزيزة الغالية المهمة والخطيرة في آن معاً. وحوادث السير التي يتسبب في أغلبها شباب تحتاج إلى درس وعلاج.
إن المجتمعات والأمة عموماً إن لم تخطط لهذه الفئة التي هي جملة المجتمع وغالبه تخطفتها قوى التآمر، فنسبة الشباب في العالم العربي فوق الستين في المئة، فالتآمر عليهم تآمر على مجمل المجتمع وغالبية المجتمع، وإهمالهم إهمال لهذه الأغلبية. ونفي المؤامرة على الشباب مؤامرة بحد ذاتها حتى يؤخذوا بغتة وعلى غرة ودون يقظة أو وعي أو انتباه.. وحتى لا تعد الأمة الخطط لتحصينهم وحمايتهم ووقايتهم.
3- الشباب الثروة الضائعة.
الشباب ربيع العمر. ومرحلة الشباب أمنية الصغار أن يبلغوها والكبار أن يعودوا إليها.. ولذا قال الشاعر: "ألا ليت الشباب يعود يوماً.." وقال آخر:
ألا ليت أيام الشباب جديد ودهر تولى يا بثين يعود
ولعل أبلغ ثناء على الشباب ما ورد في سورة الكهف من قصة فتية الكهف: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا.." إلى آخر القصة.
وكذا ما في سورة يونس: "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم.."
وأما في الحديث فما ورد من قوله عليه السلام: "ونصرت بالشباب" وحديث لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع ومنها: "وعن شبابه فيم أبلاه" ولا نسهب ولا نطيل فالشواهد لو استقصينا طويلة ومنها قول من قال: "وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباباً شباب والله متكهلون في شبابهم" إلى آخر ما قال..
ولو أردنا أن نقرب بالأمثلة لقلنا الشباب كالماء، إذا لم يزل يجري في مجراه، كان سبب الحياة فإذا "طغى الماء" كانت الهلكة. وأعظم الكوارث يتسبب بها طغيان الماء الذي هو في الأصل الحياة أو سبب الحياة.. وفيضان النيل في السودان لم يمض على تدميره أحياء كثيرة أيام.
والشباب كالنار فهم لا غنى عنهم فهم مصدر الطاقة كالنار، وهل ننتج الكهرباء إلا من حرق النفط، وهل تسير السيارات والطائرات والسفن والمراكب الفضائية إلا بحرق الطاقة، وهل نرفع الماء من الأنهار إلى مستودعات الماء إلا بالطاقة؟ وهل نطهو طعامنا إلا بالنار؟ وهل نستدفئ في الشتاء وبرده الزمهرير وصقيعه إلا بالنار في صورها المختلفة؟ وهل نكوي ملابسنا إلا بها.. ولا نعدد. لكن النار في مطبخك أو موقدك إن خرجت عن السيطرة دمرت وأهلكت وكذا الشباب بطاقته الموفورة، إن انفلتت هذه الطاقة وانطلقت خارجة عن نطاق سيطرة صاحبها والأهل والمجتمع أحرقت وخربت وأهلكت ودمرت.. كما قال طاغور شاعر الهند: "احترق البيت بمصباحه"!
هذا الشباب لو وجهت طاقته في الإعمار لزرع الأرض فاخضرت وعمر المناطق الخراب فتعمرت، وبنى عقله وجسمه ونفسه وارتقى بذاته ومجتمعه.. فهم أي الشباب هم المستقبل وهم الحاضر. ومن يحمي الأوطان إلا الشباب؟ ومن يذود عن الحمى كل عاد ومعتد وباغ إلا الشباب؟ ومن يضرب في الأرض ينقب ويكتشف إلا الشباب؟ واعلم أن في مقاعد الدراسة في المدارس في الأردن قرابة المليون ولا أقل من ربع مليون في مقاعد الدراسة الجامعية فهذا قرابة الربع من الشعب الأردني في مقاعد الدراسة. وهم الربع الفعال الذي هو مستودع الطاقة والإبداع. وما أخطرهم إن أهملوا!
4- الفجوة بين الأجيال.
الشباب مصدر الطاقة كما سلف. تماماً كما في السيارات فدواسة البنزين باستخدامها تنطلق السيارة مندفعة كالسهم، وقد تصبح قاتلة كالسهم أيضاً إن لم يكن فيها كوابح، وعلى قدر قوة الاندفاع يجب أن تكون قوة الكابح. وتصور شاحنة من حمولة ثلاثين طناً نازلة في منحدرات العارضة أو وادي شعيب أو الحمة ثم فقدت كوابحها.. إنها الكارثة! والشهوات في الشباب وقوتها الجامحة تحتاج إلى الحكمة الكابحة والعقل والتجربة وهذه لا تتأتى إلا بالسن والدين بالطبع.. ومن هنا المفارقة: الطاقة في قطاع من المجتمع هم
الشباب، والكابح من الحكمة والعقل والخبرة في قطاع آخر من المجتمع وهم من فقد قوة الاندفاع وفقد الطاقة والمحركات.. من هنا ينشأ ما يسمى الفجوة بين الأجيال. فإن جاء جيل الكبار يخاطب الشباب قالوا أنتم لا تفهموننا ولا تفهمون احتياجاتنا ولا مشكلاتنا، وإن جاء الشباب يتكلمون قال الكبار المجربون أنتم تفتقرون إلى الرؤية وبعد النظر والروية ونضج العقل واختمار الرأي
والإحاطة.. فينشأ الصدع الذي أشرنا إليه والذي اصطلح عليه بوصف أو اسم: الفجوة بين الأجيال Gap between Generationوهذه الفجوة خطيرة تحتاج إلى علاج. وحديث الشباب والفجوة بينهم وبين الكبار والمؤامرة عليهم حديث موصول.


