تخرج هذه السطور إلى حيز النشر، ولا أحد يعلم النتائج المتوقعة لحادثة القصف الجوي في سيناء على مجموعة من المسلحين الجهاديين، بعد أن تباينت المسئولية عنه بين الجيشين، المصري والإسرائيلي، وسط إشارات بوجود تنسيق عالي المستوى بينهما في تنفيذ هذه الغارة الجوية.
لكن الدلالة التي لا تقل أهمية لهذا القصف وجدت أصداءها في قطاع غزة، حيث تترقب الأجنحة العسكرية فيه إمكانية تكراره داخل غزة نفسها، بذريعة اتهامها بالتورط بأحداث سيناء، رغم النفي المتكرر، ولاسيما من قبل حماس، التي أدانت تصريحات قائد الجيش الميداني المصري الثاني، أحمد وصفي، اتهم فيها الحركة بـ"التورط" في هجمات سيناء.
ولعل ما زاد القلق في غزة من قصف سيناء، ما تم تسريبه من أن الهجوم استهدف مقاتلين فلسطينيين من غزة، جهزوا منصة للصواريخ بمكان القصف لإفشال المفاوضات التي تعمل الولايات المتحدة على إطلاقها بين إسرائيل والفلسطينيين، كما أشاعت فرضية أن حماس دفعت بمقاتليها عبر الأنفاق لتنفيذ عملية إطلاق صواريخ من سيناء على (إسرائيل)، بسبب التضييق على غزة، خاصة بعد عزل الرئيس محمد مرسي، وفقدانها لأحد أهم داعميها.
لكن نشر أسماء قتلى الهجوم في سيناء جاء ليبدد بعضاً من هواجس الفلسطينيين، بعد أن تبين أنهم من سكان المنطقة، وليس بينهم أي من سكان قطاع غزة.
• الانتقام للقتلى
ومع ذلك، فإن الجهة التي تبنت هؤلاء المسلحين هي منظمة "أنصار بيت المقدس"، ذات الأيديولوجية التابعة لفكر تنظيم القاعدة، ولها امتدادات جغرافية ممتدة بين غزة وسيناء، وهو ما يشير لإمكانية أن تبادر نظيراتها في غزة للانتقام لمقتل المسلحين بقصف سيناء، وقد تم ذلك فعلاً حين سقطت عدة صواريخ على مدينة إيلات جنوب (إسرائيل).
لكن ما قد يثير خشية الفلسطينيين، ما قاله مصدر أمني في غزة من توجيه الاتهامات لهم بإيواء مسلحين مطلوبين لمصر، مع اشتداد ملاحقة الأجهزة الأمنية لهم هناك، رغم أن غزة لن تكون طرفاً في أي مواجهة مصرية داخلية، وصناع القرار فيها يعتبرون ما يقوم به الجيش المصري في سيناء شأناً داخلياً لا علاقة لغزة وحماس به، ولذلك لا داعي لأن يتم الزج باسمها في أي أمر داخلي.
بل إنه لا مصلحة للحركة في التدخّل بأحداث سيناء، في ظل "الفبركات الإعلاميّة" التي تحمّلها مسؤولية ما يحصل فيها من مشاكل أمنيّة، خاصة وأن المتوفر من معلومات أمنيّة، تفيد بأن سيناء تعبث فيها جميع الأطراف، وعلى رأسها (إسرائيل)، ولذلك كان إعلان زعيم حماس في غزة إسماعيل هنية الأكثر صراحة في الأيام الأخيرة، حين نفى أي تواجد عسكري لحماس في سيناء.
• تصدير الصراع
في ذات الوقت، فإن التقدير السائد في غزة اليوم بأن الجيش المصري لن يوقف حملته العسكرية في سيناء ضد المجموعات السلفية في المدى القريب، بل ستمتد فترة زمنية ليست قليلة، ما يعني أن التوتر سيكون سيد الموقف على الحدود المصرية الفلسطينية الإسرائيلية، مع العلم أن حماس في غزة ليست ذات تأثير كبير على عناصر هذه المجموعات الجهادية، بل إن التوتر والخلاف هو ما يجمع الطرفين أكثر من الهدوء والتنسيق.
وقد يعني هذا أن تبادر المجموعات السلفية لقصف (إسرائيل) من غزة رداً على ما تعتبره هجوماً مصرياً إسرائيلياً مشتركاً ضد رفاقهم، أو أن تحول سيناء جبهة عسكرية ساخنة، وهو آخر ما تتمناه حماس، لأنها بهذه الحالة ستتلقى رداً إسرائيلياً موجعاً.
ولذلك يشاع في غزة، عن اجتماعات ماراثونية على مدار الساعة تعقد في الأيام الأخيرة بين الأجنحة المسلحة لمنع تأثر الحالة الأمنية المستقرة نسبياً في غزة بأي تبعات للتدهور الأمني الحاصل بسيناء، مستبعدة لجوء السلفيين إدخال القطاع بمواجهة مع (إسرائيل) غير متفق عليها مع القوى المسلحة.
كما أن الأجهزة الأمنية بغزة لديها توجه بضبط الوضع الميداني أكثر من أي وقت مضى، لمنع استخدام غزة ساحة لتصدير الصراع الداخلي في مصر، وإن كانت حماس ترفض تحميلها أي مسئولية عن الأعمال الدامية العنيفة بسيناء، فإنها لن تسمح لأي مجموعة مسلحة أن تصفي حساباتها مع السلطات المصرية انطلاقاً من أراضي غزة، وفقاً لما أكده المصدر الأمني.
ولذلك فإن القيام بجولة ميدانية على الحدود بين غزة وسيناء، يرى أن الحدود الفاصلة بينهما مؤمنة بشكل كامل من طرفها، بحيث لا يسمح لأي شخص بالدخول لسيناء عن طريق التهريب، كذلك لا يمكن لأحد من مصر أن يتسلل لقطاع غزة، حيث يرتبط الجانبان بحدود تمتد 12كم، وتنتشر على طولها قوات أمنية فلسطينية ومصرية تقوم بتأمينها، ولن يكون بإمكان أي مسلح التنقل بين الحدود في الاتجاهين بسهولة، سواء وفق المعابر الرسمية فوق الأرض، أو عبر الأنفاق من تحت الأرض!
علماً بأن حماس ترى في أمن سيناء أمراً أساسياً ومهماً للأمن في غزة، ولا يوجد مشكلة في التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنيّة المصريّة لتبادل المعلومات الثنائيّة، وترتيب العلاقة الأمنيّة، بما يحفظ أمن الجانبين، وهي لنتقبل بأن يدخل إلى غزة أحد ممن يعبثون بأمن سيناء، أو يخرج آخرون من غزّة من يسيء لأمنها.


