الإثنين 02 فبراير 2026 الساعة 10:02 م

مقالات وآراء

التفاصيل تصنع الفرق والحسم والنصر

حجم الخط
د.ديمة طارق طهبوب

يحسن المتشدقون والمحللون والخبراء التنظير من علٍ عندما يطلبون منّا الالتفات إلى الصورة الأشمل والمؤامرة الأكبر والخطط العظمى والتي تتجاوز التفاصيل الصغيرة والحكايا العظيمة والتضحيات الجليلة والشخصيات التي ستخلد في وجدان الناس كأيقونات وقدوات ستمكّنهم يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل، كما مكّنت غيرهم من الشعوب، من الصمود في وجه الطغيان والظلم والاستبداد.

 

ستكون أمريكا ساذجة ولا تستحقّ لقب دولة عظمى، بمقاييس المجتمع الدولي في العظمة، إذا لم يكن لديها خطة للشرق الأوسط وحماية مصالحها و»إسرائيل» أهمّها، وسنكون سذّجا إذا اعتقدنا غير ذلك وأنّها قد تقف مع شعوبنا ذات يوم أو تسعى لتطبيق القيم الإنسانية في بلادنا، وكل ما نسمع عنه من مخططات وشرق أوسط جديد وفوضى خلاّقة لا يجب أن يهزمنا ويقعدنا عن التغيير، فالإنسان بإرادته يصنع المعجزات ويغيّر موازين القوى ويقلب الطاولة على رؤوس المخططين، فلقد سبق ووجّهت أمريكا كل قوتها وطغيانها وحقدها نحو هيروشيما ونجازاكي وكأنها أرادت أن تعلّم بهما البشرية درسا لا يُنسى ولكنهما قامتا من الرماد وانتصر الإنسان وانتصرت الإرادة وعادت اليابان تنيناً يكاد يبتلع أمريكا اقتصادياً وتكنولوجياً.

 

البشر والنماذج هم من يصنعون السنن ويغيّرون مجرى التاريخ ويُفشِلون المخططات ويُنجِحون المشاريع كذلك والقدوات تمكّن الناس من الصبر فهم ليسوا فرادى ولا متفرّدين في تحمُّل المعاناة أو صناعة العظمة وإنّما يكملون طريقا مشى عليه من قبلهم وخطوا لهم طرقا وممرات للتعامل وتقبُّل أقصى الظروف من أجل مبادئهم ومثلهم، وفي القصص الفردية والشخصية لأهل الشرعية المصرية في ميادين مصر ما علمنا منها وما لم نعلم، ما وُثّق منها وما لم يُوثّق، تكتمل الصورة التي تمكّننا من فهم الصمود الأسطوري في ظروف صعبة، بل واستثنائية في سبيل إحقاق الحق، صمود امتدّ ضد التثبيط والتضليل والوعيد والاستهداف حتى في قلب الأمان أثناء الصلاة في شهر الحرمة والحرمات في رمضان وانتهى بالمجزرة الكبرى التي أدمت كل من بقي في قلبه ذرة من إنسانية.

 

التنظير وتجاوز الدماء والتضحيات أيضا قسوة وطغيان وإجرام، فالدنيا كلها بامتدادها والكعبة بقدسيتها ليست أغلى على الله من دم امرئ مسلم وعرش الرحمن اهتزّ لاستشهاد إنسان وقامت الدنيا ولم تقعد في عهود عز المسلمين لأجل انتهاك حرمات الأفراد قبل الجماعات.

 

هؤلاء البشر الذين صمدوا للمخططات التي اجتمعت عليهم من الشرق والغرب والداخل والخارج لم يكونوا ليكونوا لولا أنّهم تربّوا على قصص الصحابة في التضحية والبسالة والفداء ثم رؤوا نماذج حية بشرية، لم يكن الرسول بين ظهرانيهم، ولكنهم تبعوه على سنّته صلى الله عليه وسلم ومنهاج صحابته، في بلدهم مصر وتاريخها وفي المدرسة الفلسطينية والتونسية والليبية والعراقية كل أضاف بصمته وكل ارتفع بمنزلته وبلغ النموذج المصري في رابعة اكتمالا غير مسبوق وإحياء لقصص وسير ظنّناها وجدت للقراءة والاستمتاع وربما التحسر في كتب السيرة فقط، وإذ بنا نراها تجسيدا عظيما في مدرسة رابعة ومنها:

معاذ ومعوذ أولاد عفراء يعودان من جديد

شابان في مطلع الشباب ينسبان إلى أمهما كي تخلِّد السيرة دور هذه الأم في تربيتهما حتى كبرا ليتسابقا في ميدان الجهاد، أيهما يقتل أبا جهل أولا، فطموحاتهما كانت موجَّهة لرأس من رؤوس الكفر ولم يمنعهما صغر السن من بلاء القوة والشدة والرجولة، فتذكر القصة عن عبد الرحمن بن عوف: إنّي لفي الصف يوم بدر إذ التفتّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا بن أخي، فما تصنع به؟ قال: اُخبرت أنّه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبت لذلك، قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثل ما قال الغلام الآخر، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال:هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين قال: كلاكما قتله.

 

هذا التسابق بين الأخوة في النسخة المصرية كان بين الأخوين محمد والدكتور عبد الرحمن خالد الديب اللذان كانا يتسابقان في كل ميادين الثورة، فكان آخر ما كتبه عبد الرحمن لأخيه محمد قبل استشهاده في مجزرة الفض: «يبدو يا صديقي أنّ أحدنا سيسبق الآخر قريبا، هكذا يخبرني قلبي، فقط أحببت أن أعلمك أنّي استمتعت بمرافقتك في كل مواطن الثورة ومواقف الإقدام طوال ثلاثة أعوام مضوا سبقتني في معظمها وسبقتك في بعضها، الآن أطمع أن أكون سابقك في الختام، على أيّة حال، ليشفع من يصل منّا أولا للاحقه».

 

وسبقنا حنظلة وزوجه

فتح الله باب التنافس لعباده من المتقدمين والمتأخرين وأثبت الصفوة والاصطفاء لمن سبق ولمن لحق وصدق كذلك واشتاق رسول الله لأصحابه وأحبابه من المتأخرين الذين اتبعوه بغير رؤية ولا معايشة، وعريس الصحابة حنظلة الغسيل عاش ليلة عريسا، حصل شيئا من قرة العين ودفء المودة وسكن الرحمة وخلفه ولد مدّ في عمره بالخير والطاعة، ولكن بعض شهداء رابعة من العرسان صعدوا إلى الرفيق الأعلى بأحلام الحب والقرب والأسرة تختلج في صدورهم.

في مجزرة الحرس الجمهوري استشهد الصحفي أحمد عاصم السنوسي وهو يوثّق الجريمة وفي رابعة استشهدت خطيبته سارة لتحلق به! أطلبها من الله كما يطلب أهل الجنة أهاليهم في منازلهم العليا فأجاب الله طلب الشهيد وألحق به خطيبته.

 

هو هذا الإيمان بالكرامات والرفعة المحققة الذي لا يفهمه الليبرالييون والملحدون والميكافيليون ما استجلب الصمود في قلوب المصريين قبل أجسادهم غير آبهين بآلة العسكر بالرغم من بطشها المحقق، لقد تحققت القلوب بلذة الحرية ومعاني الشهادة فأسبغت على الأجساد صبرا ويقينا.

 

أمّا مصعب الشامي فاكتمل جهازه وأزف عرسه ولو ظلّت رابعة لزفّ من منصتها ولكن الله اصطفاه وأبقى بعده جندية تعاهده على الثبات والإخلاص كما عاهدته على الحب، فكانت رسالتها: «فاكر في المكالمة الأخيرة قبل استشهادك بساعات قليلة لما قولتلي حضري فستانك الأبيض انتي مش هتبقي عروسة حد غيري؟ وأنا قولتلك أنا مش عايزة غيرك أصلا ومش هكون لحدّ غير ليك، دبلتك بقت في إيدي الشمال يا حبيب روحي ومش هتتشال إلاّ بموتي عشان تلبّسني دبلة من الجنة».

 

وصعد العصفور معتصم وانفضّ الاعتصام

احتفلنا بصوره وكأنه ابننا واحتفلوا بمولده في رابعة ليلة العيد بشرى خير وفرح وحياة وامتدادا، كان في صور معتصم شيء غريب فقد كانت عيناه مفتوحتان باتساع على غير عادة الأطفال من الإغماض والتعب وكأنه يريد أن يكون شاهدا في أسبوع على ما تستطيعه الجموع المؤمنة بالله ليكون شهيدا بعدها بيد طغمة تبرأت من كل اعتبار ديني وإنساني وأخلاقي، استشهد معتصم الرضيع ابن السبعة أيام ليخرج من ظلم العباد إلى عدالة رب العباد، ومن أرض لم يعد فيها معتصم ينتصر لصرخة حرة لم تستطع أن تدافع عن وليدها الذي قتل في حضنها مرسلا إليها رسالة أرسلها من قبله طفل الأخدود: «اثبتي يا أماه فإنّك على الحق».

 

وقفت للدبابة بجسدها

لما خلق الله حواء خلقها من ضلع قريب من قلب آدم، خلقها من حي لأن مهمّتها ستكون إنتاج الحياة وحفظها بأمر الله، خلقها الله ونشأها في الحلية لتضفي بأنوثتها رقة وحنانا على العالم فتمسح عن البشر جروح النفوس وجروح الحياة وتكون معبرا سهلا إلى الجنة لكل من قدّر قيمتها، ومع خلقها الرقيق هذا جعلها أيضا شقيقة للرجل مساوية له في الحقوق رفق الله بها أكثر من الرجل في بعض الواجبات وزاد عليها عنه في أخرى ولكن كونها شقيقة للرجل جعل لها مكانا رديفا، بل ومتقدما أحيانا عندما تحتاج الأمة رجالها ونساءها جنبا إلى جنب في مواطن الجهاد، المرأة المصرية تركت الدلال والراحة والدعة ولبّت النداء في الصفوف الأولى، بل ووقفت أخت مصرية في وجه الدبابة وما معها من سلاح سوى إيمانها بالله كيوم وقف فارس عودة في فلسطين لدبابة العدو الصهيوني على حداثة سنّه وكيوم خلع عوف بن الحارث درعه وانغمس في العدو يقاتلهم حاسرا بعد أن سمع جواب الرسول على سؤاله في أول بدء المعركة ببدر: «ما يضحك الرب من عبده، فردّ رسول الله: غمسه يده في العدو حاسرا، فنزع عوف بن الحارث درعا عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم قتالا شديدا».

الشجاعة ليست ذكرا ولا أنثى، والشجاع من يلبس القلب على الدرع والجبان من يلبس الدرع على القلب.

 

ابن رابعة صلوا عليه في الأقصى

كما رابعة العدوية طوفت في البلدان إلى أن سكنت روحها بجانب المسجد الأقصى وسكن جسدها في قبرها على جبل الزيتون المطل على الأقصى كذلك أبناؤها وكل من تعلَّم في مدرستها شاركها ذات الأمنية، فعبد الرحمن سامي الابن الوحيد لأهله، ابن الخمسة عشر ربيعا كانت أشواقه كرابعة العدوية وكانت وصيته أن يصلوا عليه في الأقصى ولبّى أهل الوفاء من أهل الأقصى له ذلك، لم يزر الأقصى بجسده ولكن روحه حلّقت حوله وفي جنباته وتردد الدعاء له في باحاته لعلّ الله يكتب لوالديه وأسرته الأجر أيضا باتباع أمر الرسول عندما سأله ذو الأصابع: «يا رسول الله إن ابتلينا بالبقاء بعدك فأين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس لعلّه أن ينشأ لك ذرية يروحون إلى ذلك المسجد ويغدون»، لقد راحت الذرية يا أبا عبد الرحمن ووصلت المسجد ورفرفت فوقه في حواصل طير خضر.

 

هذه الأمثلة الفردية تصنع المواقف والبشر وأمّا من يدبرون بليل فهم أيضا بشر ولكنهم وأن تطاولوا مخذولون في النهاية، فذلك وعد الله عندما يجد الصدق من عباده: «إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد».