الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 02:46 م

مقالات وآراء

هم العدو فاحذرهم

حجم الخط
د. يوسف رزقة

لا أحد في العالم يثق في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى إسرائيل البنت المدللة لوشنطن لا تثق في الإدارة الأمريكية بغض النظر عن الساكن في البيت الأبيض، لذا تجد إسرائيل تتجسس على أميركا، وأميركا تتجسس على حلفائها في أوروبا بأشكال مختلفة، وهذا ما كشف عنه سنودن الذي بات مطارداً بعد أن كشف عن حقائق مذهلة تتعلق بتجسس الإدارة الأميركية على شعبها وعلى الآخرين.

 

من لا يثق في أميركا هو مضطر في كثير من الأحيان أن يخفي مشاعره وأن يتعامل معها لأنها الدولة الأقوى في العالم، ومن يتمرد عليها عليه أن يتحمل فاتورة هذا التمرد، لذا تجد الدول الضعيفة لا تملك القدرة أو الإرادة للخروج من إطار التبعية الذي تفرضه أميركا على العالم، ولا يخفي على أحد أن أوروبا نفسها تتبع في مواقفها السياسية الموقف الأميركي، وتتجنب التصادم معه، وتقبل اللعب في الهوامش المسموح بها أميركا فقط.

 

لا تملك جل الأنظمة العربية قرار الخروج من بيت الطاعة الأميركي، بل هي تتنافس فيما بينها على ترتيب البيت وتنظيفه لاستقبال السيد الأميركي بالحفاوة اللائقة به، ومن ثم يمكنك القول إنه لا استقلال حقيقي، ولا سيادة حقيقية في البلاد العربية عندما يتعلق الأمر بأميركا، ولكن هذه الأنظمة تحاول فرض سيادتها على شعوبها بقوة السلاح والأجهزة الأمنية من ناحية، وبقوة التبعية للإدارة الأميركية من ناحية ثانية.

 

ما حصل في 3 يوليو 2013 في مصر كشف عن أمور خطيرة تتعلق بدور واشنطن في ترتيب المنطقة العربية من جديد على نحو يخدم مصالحها لعدد من السنين على الأقل. لم تكن أميركا يوماً مع الربيع العربي، ولا مع ثورات الشعوب، ولا مع المسار الديمقراطي في العواصم العربية، وهذا ما قالته الحالة المصرية الراهنة، حيث تجد جون كيري مثلاً يقول: إن الجيش استعاد الديمقراطية في 3 يوليو، وهي عبارة تعني تأييد الانقلاب، وتعني أن للديمقراطية أكثر من قراءة.

 

لقد شعرت تركيا بالصدمة من تصريح جون كيري فبادرت لانتقاده وقالت :إن الانقلابات لا تأتي بالديمقراطية، وإنما تهدم الديمقراطية، وهذا الهدم في نظري مرتبط بالموقف العدائي التقليدي لأميركا من الإسلام ومن التيارات الإسلامية.

 

الادارة الأميركية تتقدم في مواقفها المعلنة يوماً بعد يوم نحو تأييد الانقلاب وتقبل التعامل معه، وهي لا تبالي بمنظومة القيم الأخلاقية والديمقراطية التي تحدد مواقفها السياسية، فهذه القيم لها نطاق جغرافي لا يشتمل على البلاد العربية والإسلامية، ولها نطاق فكري لا يتضمن الفكر الإسلامي البتة.

 

أميركا تتلاعب في اللغة الدبلوماسية، كما تتلاعب في الأنظمة العربية، وهي لا تبالي بالأخلاق، وقد منحها القادة العرب الفرص لتتلاعب بهم، ولتمزقهم شر ممزق، وبالأمس وقف سيناتور أميركي يقول علنا : إن الأردن والإمارات طلبتا منه مباشرة أن تدعم أميركا الانقلاب في مصر، وقال على أميركا أن تأخذ في الحسبان نصائح ومطالب حلفائها في المنطقة.

 

لا أستبعد شخصياً مثل هذا الطلب، ولكني لا أستبعد ضلوع أميركا في صناعة الانقلاب والتحريض عليه ابتداء، وبثبوت هذه الحقيقة التي تقوم عليها شواهد عديدة يصبح لا معنى ولا قيمة لطلب الأردن والإمارات، ولكنه يبقى طلباً يشهد على تلاعب أميركا بالمنطقة وبالأنظمة، إن أكثر الدول فرحاً بإجهاض الربيع العربي وثوراته هي أميركا وإسرائيل، وهو أمر يفرض على الشعوب وضع استراتيجية ثورية للتعامل مع أميركا في المنطقة.