بعد تمكن الحكومة الفلسطينية في غزة من إحباط مؤامرة الانقلاب عام 2007 م ,وتفكك إمبراطورية الأجهزة الأمنية التي أفسدت كل مناحي الحياة ... هرب الآلاف من غزة تجاه رام الله ومصر , جزء لأنه قاتل ,وآخر لأنه فاسد , وثالث لأنه يريد منصبا وجاها فهرب بحجة أن حياته في خطر فتحقق له المنصب .
جزء كبير من هؤلاء كانوا ممن كُلفوا في أعمال أمنية وعسكرية وإعلامية وسياسية انتقاما من غزة ,مقابل استيعابهم ومنحهم مناصب ومكافآت مالية , فاعتمدوا على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة , وتحالفوا مع الشيطان , لتحقيق شيطنة شعبهم وأهلهم , في غياب واضح للضمير وللوطنية بل وللإنسانية . فعملوا بتجارة المخدرات , والدعارة ,وباعوا أنفسهم لمن يدفع ,وعملوا بتجارة المعلومات . وفي كل مرة يتم إبلاغ قيادة فتح بذلك والجهات المصرية الرسمية , لكن لا حياة لمن تنادي .
ما كشفت عنه حركة حماس في مؤتمرها , ونشر خمس عشرة وثيقة من مئات الوثائق حول دور بعض المسئولين والجهات في السلطة بشيطنة قطاع غزة ... ليس جديدا من حيث المبدأ , ولكنه جديد من حيث الكثافة ,والتنوع , وبشاعة الكذب ,والخطورة , حيث توترت العلاقات بين مصر وبين كل مكونات الشعب الفلسطيني , وتم تشويه المقاومة الضخمة التي أرقت الاحتلال وأبدعت في الصمود والدفاع عن فلسطين , وتعطلت مصالح الناس من حيث العلاج والسفر والتجارة , ومست الحاجات الأساسية كالكهرباء والوقود .
وثائق وضحت دور السفارة الفلسطينية في القاهرة في تعقيد أزمة الحصار , وتورط جهات رسمية عديدة سياسية وأمنية تابعة لحركة فتح وللسلطة في معاناة الشعب الفلسطيني . لا أدري كيف أفسر أو أُوفق بين دعوات المصالحة وبين هذه السلوكيات التي كشفت عن بعضها الوثائق , الأمر الذي يدلل بقوة على أن فريقا من فتح مازال يسعى للعودة إلى غزة على ظهور الدبابات , وعبر الدماء والقتل والأشلاء , رغم أنها فشلت في كل محاولاتها على مدار السنوات الماضية , وبذلك نُفسر رفض المُصالحة فعليا والاكتفاء بالتغني بها عبر الإعلام.
هذه الوثائق تُعتبر كشف مستور جديد , يتطلب التوقف والتأمل وتحمل المسئولية , فالمطلوب من قيادة فتح التحقق من الأمر ولا تنجر وراء الأراجيف , وقيادة السلطة عليها أن تُحدد موقفها , وفصائل المنظمة تتحمل المسئولية , والجامعة العربية عليها أن تخرج من صمتها المُريب. لأن الأمر يمس كل مكونات الشعب الفلسطيني , وفيه تهديد للقضية كلها , والضرر طال كل من قال إنني فلسطيني .
إن هذه الوثائق محاولة لإنتاج الواقع القديم, المبني على الفلتان والفساد والتطبيع ومحاربة المقاومة ,لذا التصدي لها مسئولية وطنية عامة ,ونطالب العقلاء من حركة فتح أن يضربوا على أيادي السفهاء ممن عادوا لخرق السفينة , حيث كانت محاولات خرقها سابقا طامة على فتح قبل غيرها وهي التي اكتوت بنيران مراهقيها ومنتسبيها من الفاسدين والظلمة , فلا تُكرر نفس التجربة المضمونة في خسارتها , لأنه لم يبق عُمر في حياة الحركة كي تدخل في مغامرات جديدة قد تُخسرها أكثر بكثير مما خسرته من قبل.


