الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 06:19 ص

مقالات وآراء

خيانة مشروعة

حجم الخط
أيمن دلول

لا يختلف اثنان من العلماء أو المثقفين على أن المحن والابتلاءات هي كاشفة الرجال من عدمهم، فهي وحدها التي تكشف لنا الأشخاص الذين نستطيع أن نأوي إليهم إذا ما حلت بنا الخطوب والمدلهمات العظيمة. وفي أيامنا هذه تغيرت الأحوال وتبدلت المواقف بعد تفجر أحوال المحروسة الشقيقة الكبرى للفلسطينيين جمهورية مصر العربية، فمنذ الانقلاب العسكري على أرضها ضد رئيسها المدني الدكتور محمد مُرسي ظهر المنتفعون والمتشمتون، بل والمتآمرون من الفلسطينيين- وهم الذين أقصدهم بحديثي هذا- فمنهم من أثبتت تحركاته خيانته للجارة الكبيرة وأهلها، أو حتى مشاركته في المؤامرة التي تدور رحاها على أرضها، في خطوات وتحركات يعتبرها مشروعة لنفسه مُحرمة على غيره، ويمكن رصد بعض المواقف في التالي:خيانة عباس

 

1- التنسيق المباشر من قيادات السلطة الفلسطينية وحركة “فتح” مع الجيش المصري لوضع اللمسات المختلفة والمشاركة الفعلية في إرباك الساحة المصرية، سواء كان ذلك بالمساهمة في الانفلات الأمني في شبه جزيرة سيناء أو إمداد قيادة الانقلاب بمخططات القضاء على الإخوان المسلمين في مصر وغزة وليس انتهاء بتونس- بحكم خبرتهم في إعداد خطط القضاء على حماس-، وهي أمور قد يقول البعض بأنها تجني على الحقيقة، غير أن ما يؤكدها الاجتماعات والزيارات والاتصالات المتبادلة مع قادة الانقلاب والوثائق التي تظهر بين الفينة والأخرى ومنها التقارير التي يرفعها قائد جهاز مخابرات الضفة زياد هب الريح باستمرار لرئيس السلطة محمود عباس، ولعل أبرز من يقوم بهذه الأشكال من المؤامرة القيادي الهارب في حركة “فتح” محمد دحلان ورئيس السلطة ذاته محمود عباس والذي أظهر محضر الاجتماع المُسرب للجنة منظمة التحرير دوره الكبير في دعم الانقلاب داخل مصر.

 

2- الدعم السياسي لبعض القادة الفلسطينيين لقيادة الانقلاب، وأبرز التجليات التي ظهرت هو الدعم الكبير لرئيس السلطة “عباس” لما جرى وعزمه القيام بزيارة منتصف الأسبوع الجاري للقاهرة في الوقت الذي لم يجرؤ معظم قادة العالم على دعم الانقلاب في مصر، وإعطائه الأوامر لوسائل إعلامه بالانخراط والعمل ضمن منظومة إعلام الفلول المصري الذي يحرض ضد تيارات مصرية بعينها، في تدخل سافر بالشأن المصري، وهو الأمر الذي لا يختلف عنه كثيرا من قيام قادة فصائل فلسطينية بتأييد ما جرى وأحدهم نشر صوره على موقع الفيس بوك من داخل ميدان التحرير في تأييد واضح لأحد الأطراف المصرية على حساب آخرين. المشكلة أن “عباس” وأولئك الذين يصفون نفسهم بـ” القيادات” يحشرون أنفسهم في الشأن المصري ومن ثم يعودون بالهجوم على “حماس” بادعاء تدخلها في الشأن المصري، وهي خطة تأتي في إطار خيانة واضحة للشعب والقضية الفلسطينية.

 

3- استئناف مفاوضات التسوية بين العدو الصهيوني والسلطة الفلسطينية بزعامة حركة “فتح” انطلقت بالتوازي مع ما يجري في مصر وفي ذروة الانشغال الفلسطيني بهذه القضية التي شغلت باله- لا لشيء إلا لما يُكنه لمصر من احترام وتقدير بحكم القومية والجيرة- وهي مفاوضات تنازل من خلالها المفاوض الفاشل عن كل شروطه المُسبقة، بل وإنه عاد إليها ذليلا خانعا وفق إرادة المحتل فقط، وهل بعد هذه الخيانة خيانة، لكنها خيانة لم يتحرك أمامها الشعب الفلسطيني المشغول بمتابعة ما يجري في مصر من جانب، ومن جانب آخر فشريحة من الشعب ممثلة بحركة “فتح” واليسار الفلسطيني باتت تجد ما يقوم به “عباس” وفريقه خيانة مشروعة.

 

4- تسيير حركة “فتح” لمسيرات في الضفة المحتلة لما أسمته دعم الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري في انقلابه على رئيسه “مرسي” والمطالبة بمنحه الجواز والجنسية الفلسطينية، لا تعتبر إلا بمثابة خطوة حقيرة وقذرة وسافرة للتدخل في الشأن المصري وتوريط القضية الفلسطينية في مسائل نحن في غنى عنها، لكن يبدو أن الجواز الفلسطيني بعدما استولت على قرار إصداره قيادات تتمتع بجلوسها بين أحضان العدو الصهيوني بات لا يُمنح إلا لمن هم على شاكلتهم، بينما المثقفين والقيادات المرموقة التي تفخر بها شعوبها والقضية الفلسطينية، فتحرمها من هذا الجواز، وكنا نتمنى أن نشاهد مسيرات تنظمها حركة “فتح” لدعم الأسرى في إضرابهم إلا إذا كانت مثل هذه المسيرات لا يرضى عنها العدو الصهيوني.

 

5- الخيانة تخطت مسألة ما يقوم به بعض السياسيين، ووصلت بعض المحسوبين على تيارات فلسطينية، لدرجة أن أحدهم لا يقول كلمة “آمين” خلال دعاء شيخ في صلاة التراويح بأن يحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء، وفي أحد مساجد غزة انسحب مجموعة من مصلي صلاة الفجر من أحد التيارات الإسلامية بينما بدأ الإمام بصلاة الغائب على شهداء مصر، وبعدما شاهدهم أحد المصلين وشاهد امتعاض عموم المصلين من فعلهم، جهر بصوته قائلا: لا تقلقوا.. دعوهم لا يصلوا حتى يميز الله الخبيث من الطيب، حينها قلت في نفسي: لقد صدقت..

 

إن التدخل في شئون أي بلد عربي لا يجلب للقضية الفلسطينية إلا مشاكل هي في غنى عنها، والمفترض الاستفادة من أخطاء الماضي، فما الموقف من حرب العراق عنا ببعيد. التدخل الذي يجلب ضررا للقضية الفلسطينية لا يمكن اعتباره إلا في إطار خيانة، خاصة وإن كان التدخل الفلسطيني سيكون حينها موازيا للدعم الصهيوني لأي طرف في أي بلد عربي، لكن الأهم أن الخيانة التي يعتبرها البعض الفلسطيني مشروعة تماشيا من أجندته ورغبة في استمرار تدفق الأموال لجيبه الخاص ينبغي أن يقف أمامها الفلسطيني جيدا، ولا يعتبرها كذلك على الإطلاق، فالخيانة خيانة ولا تبرير لها، وإن كان المواطن العادي لا يستطيع منع الخيانة في الوقت الحالي التي تمارس ضد وطنه وقضيته، فحسبه أن لا يرمي كل حذاء لديه مضت عليه سنوات، وليجهزه لمهمة باتت قريبة بإذن الله. أحسب أنكم تعلمون ما هي..