الإثنين 09 فبراير 2026 الساعة 05:43 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

أما آن يا أمة الإسراء؟ 4

حجم الخط
د. أحمد نوفل

1- مدخل.

نختتم هذه السلسلة بهذه الحلقة الرابعة، وخشيت إن أطلت أن أثقل، ونحن في زمن السرعة والتغريدات الموجزة الرشيقة. ولكنه الأقصى، كان يحتاج منّا إلى الكثير توعيةً وتنبيهاً وإيقاظاً، وكشف مخططات، وفضح مؤامرات، وتبيين تواطؤات، فنحن في عصر المؤامرة، ولا نحتاج إلى تحذير من الوقوع في فخ نظرية المؤامرة، فنحن في عين عاصفة المؤامرة، ولسنا نتوهم في الأوهام مؤامرة، ولكنّا نعيشها صبح مساء كل يوم منذ مئة من السنين العجاف الصعاب السوداء، منذ تآمر اليهود على من رفض أن يسمح لهم بوطن قومي، حتى خلْع ذاك الرجل، والإتيان بيهودي قذر حاقد دنس هو «أتاتورك» الذئب الأغبر، الذي يؤلهه علمانيو تركيا حتى اليوم وغداً وإلى ما عاشوا، ومنذ ذلك ونحن نهوي في بئر المؤامرة اليهودية على فلسطين والأقصى، والمقدسات. وكل يوم يخطط المجرمون لمفاجأتنا بجديد. ولقد أصبح الإعلان عن توسيع المستوطنات جزءاً من الترويض اليومي، وليس فقط خبراً ينقله الإعلام. فبإمكانهم حتى لا يحرجوا العملاء من موظفي السلطة أن يقوموا بالتوسعة في صمت، لكنهم يتبعون وينتهجون سياسة معينة في الترويض النفسي نحو ما هو أعسر.

 

2- أما آن يا أمة الإسراء أن تنعتقي من قيد التبعية؟

كيف يتم لنا تحرير المسرى، وكل عالمنا العربي مقيَّد بالقيود الحديدية في التبعية لأمريكا، وبالتالي لربيبتها «إسرائيل»؟ وقيود التبعية تفرض علينا ألاّ نفكر خارج الإطار المرسوم وهو الحل السلمي وحل الدولتين وحل الشرعية الدولية، والاتفاقات التي تقيّدنا وتشلّ حركتنا ولا تلزم عدونا بشيء. وحل الدولتين كلام مبهم، فما هي الدولة الفلسطينية الموهومة المزعومة التي لن تأتي؟ وهل عدوكم على هذه الدرجة من الكرم والجود أن يعطيكم دولة وأنتم في هذه الحالة من التردي وانعدام الوزن؟ إنّ الحقوق تنتزع ولا تؤخذ إلاّ غلاباً ولا تستجدي وتستعطى.

 

وحتى لو أعطاكم العدو المجرم دويلة مثلما أوهمكم أنّ رام الله دولة والرئيس محصور في مبنى المقاطعة ولا يجد الخبز ولا الماء، هل نسيتم: شهيداً..شهيداً؟! فعن أيّ دولة تتكلمون؟

 

يا أمة الإسراء انعتقي من الأوهام وانعتقي من قيد التبعية، ألم يعلمك مولاك: «إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم»، فغيّري الخوف إلى الجرأة والتهيب إلى الإقدام والضعف إلى البأس والقوة، يتغيّر ما بك من استعمار واحتلال.

3- أما آن أن تمتلئي بالعزم والتصميم على تحرير المسرى الشريف؟

 

إذا الشعب يوماً أراد الانتصار على الأعداء فلا بد أن يحقق هذا الانتصار، وإذا امتلأ بالعزم والتصميم لن يثنيه عن عزمه شيء، لكن الأمة بقياداتها لم تعقد عزمها على مثل هذا الأمر ولمثل هذا الهدف بعد، وتتشاغل عنه بالأهداف الصغيرة التي لا تستحق أن تعدّ في الأهداف أصلاً.

 

لقد شغلوا كل فرد بهمّه الشخصي ومعاشه ومستقبل عياله، وشغلوا كل دويلة بهمومها الصغيرة، من تدبير المرتبات والنفقات، وفككوا الجسم الكبير الكلي القوي إلى أجزاء وشظايا مهزولة لا تنفع لإدارة شؤون دولة فكيف باسترداد المقدسات من براثن أعتى قوة في الأرض؟

 

لا بد من تصميم جازم وعزم عازم وقرار حاسم إن كان مسرى الحبيب يعزّ علينا بالتأكيد ولا يشغلنا عنه همّ قريب أو بعيد. إنّ الإنسان الممتلئ يصبح قوة لا يقادر قدرها. أما رأيت الصحب الكرام عندما امتلؤوا بالعزمات والتصميم كيف غيّروا خارطة الدنيا؟ الإنسان الفارغ من الهم والعزم فارغ من الرجولة، بل من الإنسانية، وإن لم نتملئ بالعزم والتصميم من أجل أقصانا ومسرى حبيبنا فلأيّ شيء نمتلئ بالعزم إذاً؟

 

4- أما آن أن تثقي بوعد الله بالنصر على الأعداء وتستبشري بتحرير المسرى متى استعنت بالله؟

أما آن أن تقرئي القرآن وسورة الإسراء؟ أما آن أن تنزعي الخوف من قلبك من عدو ضربت عليه الذلة؟ أما آن أن تنهضي فكل العالم استيقظ ونهض. ولا نريد أن نستعرض دول العالم، بل نستعرض حال عدونا فقط، كيف كان شتيتاً ثم تجمّع؟ كيف كان مكروهاً منبوذاً حتى صار اليوم يستعبد العالم؟

 

إنّه ليس مدعوماً من الله ولا مؤيداً منه ولا فعل ما فعل مراغمة لأقدار الله، معاذ الله، فقط عمل وفق السنن فحصل له ما حصل، ليس ما حصّله خارقاً، إنّه ضمن الناموس والمعطيات ولقد بيّنت ذلك سورة الأقصى وسورة المسرى سورة الإسراء في قوله تعالى: «من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد»، وعقّب النص الكريم على أصحاب الإرادتين: إرادة الدنيا وإرادة الآخرة بقوله تعالى: «كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً». لو خططتم كما خطط لحصلتم ما حصّل مضاعفاً، ولكنه خطط وغرقتم في الفوضى والتسيب والإهمال فأنّى تتقارب النتائج؟!

 

5- أما آن يا أمة الإسراء أن تبدئي بخطة: «ليسوؤوا وجوهكم» تمهيداً لخطة: «وليدخلوا المسجد» ولمرحلة: «وليتبروا ما علوا تتبيراً»؟

 

إنّ خطة «ليسوؤوا وجوهكم» تقتضي أولاً وقف كل عمليات تزيين وجه العدو عن طريق معاهدات الإذعان التي تسمونها، أو يسمونها، سواء، معاهدات السلام، وما هي إلاّ خطة شيطانية تحسّن وجه الاحتلال، والمفروض أن نقبّح وجه العدو لا أن نجمّله ونحسّنه ونزيّنه ونجمّله. مجرم من حسّن صورة عدوه! بل ينبغي تقبيحه.

 

إنّها خطط قرآنية مرحلية، ولن يبدأ جهد عسكري ما لم نبدأ البدايات المنطقية بالتعبئة النفسية والإعلامية وتجريد العدو من كل غطاء وشرعية، وكشفه على خبيئته الخبيثة كريهاً مجرماً إرهابياً. هذا يقود إلى الجهد العسكري الذي ينتهي بدخول المسجد كما دخله أسلافكم فاتحين أول مرة، والتاريخ سيعيد نفسه.

 

مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة والأمة لم تخطُ الخطوة الأولى، ألا فلتبدأ الخطوة الأولى في الخطة الأولى خطة: «ليسوؤوا وجوهكم» ولا تنتظروا الدول، بل ليبدأ كل بجهده وليبدع من عنده، والدول ستقوم من رقدتها عندما تبعث الديناصورات!

6- إليك أيها المسجد الأقصى مع أقصى الحب.

 

يا أيها المسجد الأقصى الحبيب الحزين يا مسرى النبي العربي الأمين يا من جمع الله في رحابك النبيين ليؤمّهم سيد الأنبياء وخاتم المرسلين..

 

قصّرنا في حقك، وفرّطنا، وما رعينا العهدة وما حفظنا الأمانة، وما حرسنا الدرة والجوهرة حتى وقعت في يد أذل الناس أجمعين. كان ينبغي أن تسيل الدماء سيولاً دونك، وأن يأتي البشر لنجدتك أمواجاً بشرية من أقصى المعمورة التي تقطنها الأمة الإسلامية فلا نحن حمينا ولا تركنا غيرنا يفعل. ومن أدرك تقصيره تدارك هذا التقصير.

 

أعدّوا الجواب للعلي الكبير سبحانه عندما يسأل كلاً منّا ماذا عملت لتحرير قبلتك الأولى ومسرى نبيك وتوأم مسجدي الحرام وبوابة السماء في رحلة الإسراء؟

 

أعدّ الجواب عملاً وخططاً وبرامج وجهداً دؤوباً موصولاً، لعلّ عذرنا عن تقصيرنا الفائت يكون مقبولاً.

 

ورمضان جاءنا وهو شهر التغيير الجذري الكبير، فاجعل أول التغيير في نفسك أن يتغيّر موقفك السلبي من المسرى الحبيب فرداً وجماعة ومجتمعاً وأمة. وكل رمضان وأنتم بخير والأمة بخير والأقصى بخير وكل رمضان ونحن إلى الله أقرب وإلى المسرى الحبيب أقرب، ونصر قريب، وفتح قريب، وتحرير قريب. اللهم اجعلنا أهلاً لذلك، ويا أقصانا لن يطول انتظارك.