الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 02:16 ص

مقالات وآراء

نهاية الحروب!

حجم الخط
د. خالص جلبي

أعظم شيء فعلته محكمة «نورمبرغ «عام 1945 م أنها اعتبرت الحرب، أي حرب، جريمة من الناحية القانونية. لكن كثيرين يخوضها مما يعكس عسر تطور العقل الإنساني. الحرب من الناحية البيولوجية ضد قانون الحياة، فبدلاً من أن يدفن الأبناء آباءهم يحصل العكس، الحرب مرض ينبت من تربة الكراهية كما يقول سكينر (من مدرسة علم النفس السلوكي) وأنها تنبت في الرؤوس قبل أن تمارس بالفؤوس. وهي استسلام للدماغ السفلي حيث تعصف الانفعالات ويتعطل المخ العلوي عن ضبط مسار الأحداث. الحرب ذروة العنف لأن فيها القضاء على الإنسان كليةً وتصفيته جسدياً، الحرب لا تحل مشكلات بل تخلق المشكلات لأن العنف يستجر العنف، والدم يفجر الدم، وكما يرى غاندي في اللاعنف أنه يمتاز بالمحافظة على الطرفين من خلال تفاعل الإرادتين، لكن الحرب هرس طرف مقابل نهوض طرف، ومع ذلك فالبشر خلال التاريخ المعروف كانوا يشعلون الحروب بمعدل 13 سنة مقابل سنة واحدة للسلام. وحسب إحصائيات معهد غاستون بوتول فإنه خلال مائتي سنة حصل أكثر من 360 نزاع مسلح مات فيه أكثر من ثمانين مليون إنسان وفي الجبهة الروسية في الحرب الثانية مات أكثر من عشرين مليون إنسان، فهذا الإنسان القاتل الناطق أمره عجيب. (والحاصل) حيثما نظر الإنسان للمسألة يتعجب من اندلاع الحرب، فهل هناك مفتاح لها يوحي بالأمل في الإنسان؟.

في الواقع الحرب إفلاس أخلاقي مهما كان مبررها، وحينما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان لم تسأل أتجعل فيها من يكفر فيها؟، بل سألت أتجعل فيها من يسفك الدماء؟، ويبدو أن الحرب تحدث بسبب معقد انثروبولوجي اجتماعي نفسي.

 

مع كل مراجعة للحرب يحزن العقلاء، ولكن الطب كان يعالج (يوماً) السعال الديكي بلبن الحمير، وكان العسل يؤخذ بعد قتل النحل، والطفل يخلف قاذوراته ولا يستطيع تنظيفها بنفسه، فهذا تطور وقدر لا فكاك منه، الجنس البشري اليوم يحل المعضلات السياسية بالحرب، ليس لأن المشكلة غير قابلة للحل، ولكن لعجز الطب السياسي، فمازال عند مرحلة معالجة السعال الديكي بلبن الحمير.