الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:34 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

غلطة الشاطر حسن 4

حجم الخط
د. أحمد نوفل

1- مدخل

تصوّر لو أنّ الحمم التي صبّها النظام السوري مؤيداً بحزب الله وعشرات آلاف مقاتليه في القصير والغوطة، وما ضخّته إيران من عشرة مليارات دولار ومن جنود وقادة وضباط وذخيرة وآليات، أقول لو توجّهت كل هذه القذائف والطاقات والقدرات إلى "إسرائيل"، أما كان تحرر الجولان؟ وهل كانت "إسرائيل" في رد فعلها ستدمّر كما دمّر نظام الأسد؟ لماذا انصرفت هذه القوى إلى غير ما هي له، كما يدّعون من ممانعة ومقاومة؟

 

لماذا عميت عيونهم الطائفية عن الهدف الحقيقي والعدو الحقيقي، ولا يقولن أحد أنّ الشعب السوري الأعزل هو الذي بدأ الثورة المسلحة، فالتاريخ والواقع يكذبان كل هذا التلفيق، فشعار الثورة كان "سلمية..سلمية"، لكن المجرم في سوريا كالمجرم في ليبيا أبت عليه فرعنته أن يرضخ لمطالب الشعب، وأبت الصنجهية وتضخم الذات إلى درجة التأليه، أبت عليه أن يستجيب، كما أبت الكبرياء المريضة على إبليس أن يعترف بالخطأ، ولقد كان بإمكانه لو فعل أن يتجنّب الخلود في النار، ويتجنّب إيقاع البشر في كل هذه المشكلات والأزمات، ولكن ليقضي الله أمراً.

 

2- التاريخ يعيد نفسه..باتجاه معاكس

التاريخ أعظم مدرسة وفيه مستودع الخبرة والتجربة. ومن لا يقرأ التاريخ لا يفهم الواقع، ولذلك تضمّن القرآن في ثلثه القصصي تقنين التاريخ الإنساني، أيّ صياغته في صورة نواميس وقوانين وسنن. وعلم الله إنّا آخر من يخطر بباله أن تثار حرب في المنطقة على أساس طائفي، وهذه كتاباتنا منذ ثلث قرن شاهدة بفضل الله، لكن لا إغضاء عن دروس التاريخ وسيرورته وعبره. وفي حرب سنة 67 صدر عن العلويين ما يفيد نبوءة دينية عندهم بتسليم الجولان إلى شخص بمواصفات معينة تنطبق على موشي ديان، واشتهرت وقتها، ثم غابت، لكن ندع هذا جانباً لنذهب أبعد من التاريخ المعاصر. ألم يقف الحشاشون جنباً إلى جنب مع الصليبيين، بحيث أنّهم قتلوا عدداً من قادة الجهاد، وقاتلوا الجيوش الذاهبة إلى قتال الصليبيين، وهذا كان في بعض مناطق سوريا على يد الطائفة نفسها أو تفرعاتها.

 

ألم تكن مصر الفاطمية تقاتل إلى جانب الصليبيين؟ وكانت سوريا السنيّة تقاتل الصليبيين إلى أن حرر صلاح الدين مصر وخاض المعركة الفاصلة لتحرير القدس.

 

والآن مصر السنيّة هي معقد الأمل، ويسعى بعض من يدّعون أنّهم من هذه الأمة إلى تحطيم قوتها، وأمّا المعسكر الإيراني الذي كان طيلة التاريخ خنجراً في ظهر الأمة، وبخاصة في زمن الفتوح العثمانية في أوروبا.

 

التاريخ يعيد نفسه فعلاً ولكن باتجاه معاكس أو معكوس، فسوريا التي وحدت مصر مع أمتها هي التي تحارب الآن الإسلام والعروبة، أعني نظامها، وسينتهي بها المطاف أن تعيد قصة الحشاشين، وقصة الفاطميين.

 

وهذا زمن تحرير القدس بإذن الله، لكن يبدو أنّ خطة صلاح الدين لا بد منها في الاتجاه الآخر كما سلف القول. ولقد كتبت منذ شهور عدة أنّ الحلف القادم هو بين إيران و"إسرائيل" وأمريكا، بالطبع، والنظام السوري وحزب الله. نقول هذا بألم، ولا نتمنّاه، وليتهم يرعوون، ولا يسيرون في طريق الخسارة والهاوية.

 

3- النتائج الكارثية على الحزب!

لقد فتح الحزب على نفسه نار الجحيم في الدنيا والآخرة، واستعدى على نفسه ملياراً ونصفاً من المسلمين، وهو لن يخرج من سوريا وحدها، فكيف إذا تدفّقت أمواج المتطوعين من كل فج، وليس السبب إلاّ أنتم، فما الداعي لرفع أعلامكم على المساجد؟ هل تعنون أنّكم حررتموها من الكفر وأعدتموها إلى حظيرة الإيمان والإسلام؟

 

وإذا زعمتم أنّنا جميعاً أمة واحدة من المسلمين، فلماذا إذاً فعلتم هذا بالمساجد؟ إنّ "إسرائيل" لم تفعلها بهذه الفجاجة! أقول إنّ تدخّل الحزب إلى جانب الفجرة من الشبيحة والمغتصبين للحرائر والذابحين الأطفال، والشاتمين الأديان، ولا يقل لي أحد عنهم فقد بلوتهم سنة 73، وكنت قادماً من بيروت، فوقفنا عند "المصنع" نقطة حدودية تابعة لسوريا، فطفق العلويون الذين يمسكون الحدود يشتمون الدين والخالق والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأونا ثلاثة من الشبان الملتحين، فاشتكبنا معهم، فقالوا: لن تخرجوا من هنا. وأخرجنا الله.

 

أهذا النظام يصطف إلى جانبه؟ إنّكم إذاً مثلهم! إنّ قوة أيّة حركة مقاومة هي في تعاطف محيطها الشعبي والجماهيري. ولقد خسرتم هذا إلى الأبد! ثم إنّكم إذا حشرتم في زاوية، ودارت عليكم الدوائر وهي دائرة إن شاء الله، ستجدون أنفسكم في حمأة التحالف مع "إسرائيل". وعلى فكرة لماذا لم تنتقموا لعماد مغنية بعد خمس سنوات ونيف أو ما يقرب من ألفي يوم؟ ماذا تنتظرون؟ ولماذا سارعتم بالانتقام من إخوانكم إن كنتم ترونهم إخوانكم؟

 

لقد فقدتم مصداقيتكم وكنتم تعدونها أعظم رأسمالكم! كان أهل السنّة يحبونكم أكثر من شيعتكم، فلمّا تبيّن لهم أنّكم لا تفترقون عن بشار وشبيحته جرى لهم ما جرى لإبراهيم مع أبيه: "فلما تبيّن له أنّه عدو لله تبرأ منه" من يصدّق بعد اليوم أنّ عينكم على الأقصى؟ من يصدّق بعد اليوم إنّ حروبكم مع "إسرائيل" كانت حقيقية ولم تكن مسرحيات لصناعة الأبطال؟

 

إنّ خسائركم لا يحصيها الحساب، لقد تآكلت أخلاقيتكم والثورات أخلاقيات، لقد فقدتم رصيد التعاطف، ولا ثورة من غير هذا الرصيد. وفي المقابل ماذا كسبتم؟

 

سلمنا جدلاً أنّكم أوقفتم انهيار نظام الأسد، فكيف ومتى وأين ستحاربون "إسرائيل"؟ وما قيمة نصركم الذي لن تنالوه إن شاء الله، إذا كان لا يعقبه مواجهة مع "إسرائيل"؟ ومواجهة مع فقدكم كل هذه الأرصدة هي ضرب من المحال وضرب من الجنون، ونتائجها محسومة سلفاً. لقد عطّلتم المعركة مع "إسرائيل" منكم ومن غيركم فقدّمتم لـ"إسرائيل" أعظم خدمة.

ثم تزعمون أنّكم إنّما تهدفون أنّكم قاتلتم شعب سوريا لكيلا تستفحل في المنطقة "إسرائيل"؟!

 

غلطة الشاطر بألف..يا شاطر حسن. ونكتفي بهذا، واقرأ التاريخ!