الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 01:07 ص

مقالات وآراء

طبيعة الأمراض بين الشرق والغرب

حجم الخط
د. خالص جلبي

في مدينة زيلب (Selb) الألمانية كانت أول رحلة تخصصي في ألمانيا. قبلها عملت سنتين فيما سمي الدراسات العليا في دمشق كانت مضيعة للوقت والمال والجهد. في هذه المدينة تعلمت أبجديات الجراحة وتعلم قيادة السيارة بكرامة. الجراح الذي عملت معه لا أنساه كان وحشاً عنصرياً في صورة آدمية. صبرت عليه صبر المؤمنين قلت هذه بوابة ألمانيا، ولكن إذا تكرر درس الطرابيشي وتوما فعلي ترك الجراحة للأبد. كان الأول أيضاً وحشاً مرعباً في دمشق لم يطول وقتي معه أكثر من ثلاثة أشهر. كنت أخاطب نفسي هذه بوابة ألمانية في العادة مَنْ يقعد على البوابات هم حراس غلاظ شداد.

 

في تلك المدينة الصغيرة على الحدود التشيكية في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من بافاريا عملت عشرات عمليات الزايدة الدودية. لم تكن واحدة منها ملتهبة على نحو صارخ. في المملكة كانت أول مواجهة لي فيما عرفته ليس في صفحات الكتب، بل في بطون المرضى. الدرع الزائدية أو ما يسمونها بالإنجليزية الكتلة الزائدية (Appendicular Mass) جاءتني في ليلة لا أنساها. كان المريض سيريلانكياً أخبرني المقيم بأن حالته مريبة بين بين! حين فتحت بطن المريض واجهني ورم هائل في الأعور.

 

حسب الإمكانات قبل ربع قرن ويزيد كان عليَّ التصرف بسرعة. قررت رفع الورم بالكامل. نجحت العملية وخرج المريض إلى بيته معافى بعد عشرة أيام، ولكن أجواء العمل المريضة لم تكن عافية.. منذ ذلك اليوم عرفت أنني غيرت ليس الوسط الجراحي فنياً، بل أخلاقياً. بالوقت نفسه انتبهت إلى حقيقة عجيبة عن طبيعة الأمراض بين ألمانيا والعالم العربي منها انسداد معوي عند شاب يمني حيرني أمره. ليس من عمليات سابقة (أحد أهم الأسباب الرئيسة لانسداد الأمعاء).

 

صورة البطن كانت تظهر مستوى السوائل والغازات على نحو مكرر تقول بوجوب التدخل لفك (الانسطام) المعوي. كانت المفاجأة عجيبة عن السبب. عرس بين ديدان الأسكاريس في مجرى الأمعاء عملتها كتلة متراصة حبست مجرى الأحشاء. نبهني مساعدي المصري إياك وفتح الأمعاء لاستخراج هذه القبيلة. قال الأفضل حلبها وطردها للأمعاء الغليظة. اتبعت نصيحته وشرب المريض دواءً طرد الديدان فخرجت من أمعائه قبيلة كاملة نشيطة فرحة من عشرات ديدان الأسكاريس الشبرية ونجا.